الصواعق ، والطمع في الأمطار ، ولا ثالث لهذين القسمين . ومن لطيف ما وقع في هذه الجملة من البلاغة تقديم « الخوف » على « الطمع » ، إذ كانت الصواعق لا يحصل فيها المطر في أوّل برقة ، ولا يحصل إلّا بعد تواتر البرقات « 1 » ، فإنّ تواترها لا يكاد يكذب « 2 » ، ولهذا كانت العرب تعدّ سبعين برقة ثمّ تنتجع ، فلا تخطئ الغيث والكلأ ، وإلى هذا [ المعنى ] « 3 » أشار المتنبّي بقوله [ من الوافر ] :
وقد أرد المياه بغير هاد * سوى عدّي لها برق الغمام « 4 »
فلمّا « 5 » أن « 6 » كان الأمر المخوف من البرق يقع في أوّل برقة ، أتى ذكر « الخوف » في الآية الكريمة أوّلا ، ولمّا كان الأمر المطمع إنّما يقع من « 7 » البرق / بعد الأمر المخوف ، أتى ذكر « الطمع » في الآية الكريمة ثانيا ، ليكون الطمع ناسخا للخوف لمجيء الفرج بعد الشدّة ؛ ومنه قوله تعالى :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
« 8 » ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الهيئات الممكنات ؛ ومنه قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
« 9 » ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها ، فإنّ العالم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة . ومنه قوله تعالى :
لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ
« 10 » ، فالآية الشريفة « 11 » جامعة لأقسام الزّمان الثلاثة ، ولا رابع لها ، والمراد الحال والماضي والمستقبل ، ف « له » ما بين أيدينا » المراد به المستقبل « 12 » ، و « ما خلفنا » المراد به الماضي ، و « ما بين ذلك » الحال .
وفي الحديث النبويّ « 13 » قوله ، ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) : « ما لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت أو
هامش
( 1 ) في د : « الرواة » .
( 2 ) في ك : « تكاد تكذب » .
( 3 ) من ط .
( 4 ) البيت في ديوانه ص 482 ؛ وفيه : « فقد » مكان « وقد » ؛ وتحرير التحبير ص 173 .
( 5 ) في ك : « فكما » .
( 6 ) « أن » سقطت من ب ، د ، ط ، و .
( 7 ) في و : « في » .
( 8 ) آل عمران : 191 .
( 9 ) « بإذن اللّه » سقطت من د ، ط ، و . فاطر :
32 .
( 10 ) مريم : 64 .
( 11 ) في ب : « الكريمة » .
( 12 ) « المراد به المستقبل » سقطت من ك ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 13 ) في ب : « الشريف » مكان « النبويّ » .