القريب المتبادر أوّلا « 1 » إلى ذهن السّامع ، والمراد غيره وهو المعنى البعيد المورّى عنه بالقريب ، لأنّ مراده ب « الحرف » الناقة ، وب « حرف النون » تشبيه الناقة به في تقويسها وضمورها ، وب « راء » اسم الفاعل « 2 » من « رأى » إذا ضرب الرّئة « 3 » ، وب « دال » اسم الفاعل من « دلا يدلو » إذا رفق في السير ، وب « الرسم » أثر الدار ، وب « النقط » المطر ؛ ومعنى هذا البيت : أنّ هذه النّاقة لضعفها وانحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتها « 4 » ، ولم يرفق « 5 » بها في السير ، فهو غير دال ، وقد تقدّم أنّ الدالي « 6 » هو الرفيق ، يؤمّ « 7 » بها دارا « 8 » غيّر المطر رسمها ، واجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف النّاقة ، لأنّها لو كانت قويّة لما احتاجت إلى ضرب رئتها « 9 » وإلى الرفق بها مع شدّة شوقه إلى ديار أحبابه ، وذلك باعث على شدّة السير .
قال « 10 » حذّاق الأدب : تراكيب التورية في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخّرين وطلاوة ألفاظهم وزخارف بيوتهم تستحقّ « 11 » قول القائل « 12 » [ من الطويل ] :
وما مثله إلّا كفارغ حمّص « 13 » * خليّ من المعنى ولكن يفرقع « 14 »
لأنّ هذا النوع « 15 » ، أعني التورية ، ما تنبّه لمحاسنه « 16 » إلّا من تأخّر من حذّاق الشعراء وأعيان الكتّاب ، ولعمري إنّهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب ، فإنّ التورية من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة ، وسحرها ينفث في القلوب ويفتح بها أبواب عطف ومحبّة ، وما أبرز شمسها نقيّة « 17 » من غيوم النقد إلّا كلّ ضامر مهزول ، ولا أحرز قصبات سبقها « 18 » من المتأخّرين غير الفحول ، وممّا
هامش
( 1 ) « أوّلا » سقطت من و ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 2 ) في ب : « فاعل » ، وفي هامشها :
« الفاعل » .
( 3 ) في د : « الرؤية » .
( 4 ) في د : « رؤيتها » .
( 5 ) في ط : « يرقف » .
( 6 ) في ب ، د ، ك ، و : « الدال » .
( 7 ) في ب ، د ، ط ، و : « ويؤمّ » .
( 8 ) في د : « دار » .
( 9 ) في د : « رؤيتها » .
( 10 ) في د ، و : « قالت » .
( 11 ) في ب ، ط ، و : « يستحقّ » .
( 12 ) في ب ، و : « الشاعر » .
( 13 ) في ب : « بندق » ، وفي هامشها :
« حمّص » .
( 14 ) البيت لم أقع عليه في ما عدت إليه من مصادر .
( 15 ) « النوع » سقطت من ب ، وثبتت في هامشها .
( 16 ) في ب : « إلى محاسنه » .
( 17 ) « نقيّة » سقطت من د ، ط .
( 18 ) « من غيوم . . . سبقها » سقطت من د .