وقد يكلّ خاطر الشاعر ويعصى عليه الشعر زمانا ، كما روي عن الفرزدق أنّه قال : لقد يمرّ عليّ الزمان « 1 » وقلع ضرس من أضراسي أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا ، وإذا كان كذلك فاتركه حتّى يأتيك عفوا ، وينقاد إليك طوعا ، وإيّاك وتعقيد المعاني ، وتقصير الألفاظ ؛ وتوخّ حسن النسق عند التهذيب ، ليكون كلامك بعضه آخذا « 2 » بأعناق بعض ، وكرّر التنقيح وعاود التهذيب « 3 » ، ولا تخرج « 4 » عنك ما تضمنه « 5 » إلّا بعد تدقيق النقد وإنعام « 6 » النظر . انتهى .
قلت : وهذا لعمري هو المراد من النوع الذي نحن فيه « 7 » في شرحه ، أعني « 8 » « التهذيب والتأديب » ، لا كقول الفرزدق [ وهو ] « 9 » [ من الطويل ] :
وما مثله في الناس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه « 10 »
فإنّ الممدوح إبراهيم بن هشام [ المخزوميّ ، خال هشام ] « 11 » بن عبد الملك ، وأمّا التقديم والتأخير ففي قوله : « وما مثله » البيت . . . ، لأنّ التقدير « 12 » « وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلّا مملّكا « 13 » أبو أمّه أبوه » ، وسلوك طريق التعقيد في قوله « أبو أمّه أبوه » ، وكان يجزئه قوله « جدّه » ، وهذا لعمري هو التعقيد الذي بينه وبين « التهذيب والتأديب » الذي قرّرناه بعد المشرقين ، وقد تقدّم قولي : إنّ البديعيين أجمعوا على أنّ هذا النوع ليس له « 14 » شاهد يخصّه ، لأنّه وصف يعمّ كلّ كلام منقّح « 15 » ، فاختصرت الشواهد ليظهر للمتأمّل من أحرز قصبات السّبق من نظّام البديعيّات في هذا النوع ،
هامش
- والمضمار : الغاية والمجال . - ( اللسان 4 / 491 - 492 ( ضمر ) ) .
( 1 ) في ب ، د ، ط ، و : « زمان » .
( 2 ) في ب : « آخذ » .
( 3 ) « وعاود التهذيب » سقطت من ب ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 4 ) في ب ، ط : « ولا يخرج » .
( 5 ) في ب ، ط ، و : « نظمته » .
( 6 ) في ط : « وإمعان » .
( 7 ) « فيه » سقطت من ب ، د ، ط ، و .
( 8 ) بعدها في ط : « نوع » .
( 9 ) من ب .
( 10 ) في ك : « يقارنه » . والبيت في ديوانه ص 39 ؛ ولسان العرب 10 / 492 ( ملك ) ؛ ومعاهد التنصيص 1 / 43 ؛ وتحرير التحبير ص 222 ، 339 ، 419 ؛ وفيه « مملّك » .
( 11 ) من ط .
( 12 ) في د ، ط ، و : « فإنّ تقديره » ؛ وفي ب :
« لأن تقديره » .
( 13 ) في و : « مملّكا » ، وفي هامشها : « مملّك » صح .
( 14 ) في و : « له » كتبت فوق « ليس » .
( 15 ) في د : « منقّح » .