وكان زهير بن أبي سلمى معروفا بالتنقيح والتهذيب ، وله قصائد تعرف بالحوليّات ، قيل : إنّه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر ويهذّبها وينقّحها في أربعة أشهر ، ويعرضها على علماء قبيلته أربعة « 1 » أشهر ، ويروى أنّه كان يعمل القصيدة في شهر وينقّحها ويهذّبها في أحد « 2 » عشر شهرا « 3 » ؛ ولا جرم أنّه « 4 » قلّما يسقط منه شيء ، ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب « 5 » ، رضي اللّه عنه « 6 » ، مع جلالته في العلم [ وتقدّمه ] « 7 » ، يقدّمه في النقد « 8 » على سائر الفحول من طبقته .
وما أحسن ما أشار أبو تمّام إلى التهذيب بقوله [ من الكامل ] :
خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى * والليل أسود [ رقعة ] « 9 » الجلباب « 10 »
فإنّه خصّ « تهذيب الفكر في الدّجى » « 11 » لكون « 12 » الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات ، فيكون الفكر فيه مجتمعا ، ومرآة التهذيب فيه صقيلة لخلوّ الخواطر « 13 » وصفاء القريحة ، ولا سيّما وسط الليل ، والنفس قد أخذت حظّها من الرّاحة بعد نيل قسطها من النوم ، وخفّ عليها ثقل الغذاء « 14 » ، وصحّ ذهنها ، وصار صدرها منشرحا ، وقلبها بالتأليف منبسطا ، وما قدّموا وسط الليل في التأليف على السّحر مع ما فيه من رقّة الهواء وخفّة الغذاء وأخذ النفس سهمها من الرّاحة ، إلّا لما يكون فيه « 15 » من انتباه أكثر الحيوان الناطق وارتفاع معظم الأصوات ، وجرس « 16 » الحركات ، وتقشّع الظلماء بطلائع الأضواء ، وبدون ذلك ينقسم الفكر ويشتغل القلب ، ووسط الليل خال ممّا ذكرناه ، ولهذا خصّ أبو تمّام « تهذيب الفكر »
هامش
( 1 ) « ويهذّبها . . . أشهر » سقطت من و ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 2 ) في ك : « في شهر أربعة » مكان « أحد » ؛ وقد أشير فوقها ب « كذا » .
( 3 ) في ب : « شهر » .
( 4 ) في و : « أنّه » كتبت فوق « جرم » .
( 5 ) « بن الخطاب » سقطت من ب .
( 6 ) في ب : « رضي اللّه تعالى عنه » .
( 7 ) من ب ، د ، ط ، و .
( 8 ) في ب ، د ، ط ، و : « في النقد يقدّمه » .
( 9 ) من ب ، د ، ط ، و ؛ ومكانها في ك فراغ .
( 10 ) البيت في ديوانه 1 / 109 ؛ وتحرير التحبير ص 402 ، 403 ؛ ونفحات الأزهار ص 180 ؛ وشرح الكافية البديعية ص 259 .
( 11 ) في ب ، د ، ط ، و : « بالدجى » .
( 12 ) بعدها في ب ، د ، ط ، و : « أنّ » .
( 13 ) في ب ، د ، ط ، و : « الخاطر » .
( 14 ) في د ، ك ، و : « الغدى » .
( 15 ) « فيه » سقطت من ب .
( 16 ) في ب : « وخرس » .