ولخّص بعضهم عبارة الحدّ الذي حدّه قدامة ، وقال : المعنى إذا زاد على التمام سمّي « مبالغة » . وقال ابن رشيق في « العمدة » : المبالغة بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن في وصف الشيء .
قلت : وعلى هذا التقرير « 1 » ، فجلّ القصد في المبالغة الإمكان والخروج عن المستحيل ؛ والمذهب الصحيح « 2 » فيها : أنّها ضرب من المحاسن إذا بعدت عن « الإغراق » و « الغلوّ » ، وإن كان « الإغراق » و « الغلوّ » ضربين من المحاسن « 3 » ونوعين من أنواع البديع ، فقد شرط علماؤه أنّ النوع لا يتجاوز حدّه بحيث يزول الالتباس .
ويعجبني من أمثلة المبالغة في المديح قول القائل [ من الطويل ] :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه « 4 »
فالمعنى تمّ للناظم لمّا انتهى في بيته « 5 » إلى قوله « دجى الليل » ، ولكن زاد بما هو أبلغ وأبدع « 6 » وأغرب في قوله « حتّى نظم الجزع ثاقبه » .
ومثله قول أبي الطيّب المتنبّي « 7 » في وصف جواد [ من الطويل ] :
وأصرع أيّ الوحش قفّيته « 8 » به * وأنزل عنه مثله حين أركب « 9 » /
وقال « 10 » زكيّ الدّين « 11 » بن أبي الأصبع في كتابه المسمّى ب « تحرير التحبير » « 12 » :
أبلغ شعر سمعته في باب المبالغة قول شاعر الحماسة « 13 » ، إذ بالغ في مدح
هامش
( 1 ) في ب ، د ، ك ، و : « التقدير » .
( 2 ) في ب ، ه ب : « الصحيح » .
( 3 ) « إذا بعدت . . . المحاسن » سقطت من و ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 4 ) البيت للقيط بن زرارة في عيون الأخبار 4 / 314 ؛ ولأبي الطمحان القينيّ في الأغاني 12 / 403 .
والجزع : ضرب من الخرز ، وقيل : هو الخرز اليمانيّ ، وهو الذي فيه بياض وسواد تشبّه به الأعين . ( اللسان 8 / 48 ( جزع ) ) .
( 5 ) « في بيته » سقطت من و ، وثبتت في هامشها مشارا إليها ب « صح » .
( 6 ) « وأبدع » سقطت من و .
( 7 ) بعدها في و : « رحمه اللّه » .
( 8 ) في ب : « قنيته » دون إعجام .
( 9 ) البيت في ديوانه ص 467 ؛ وتحرير التحبير ص 154 ؛ والإيضاح ص 306 .
( 10 ) في ط : « قال » .
( 11 ) « زكيّ الدين » سقطت من ب .
( 12 ) في ب : « تحريره » مكان « كتابه . . .
التحبير » .
( 13 ) بعدها في و : « رحمه اللّه خ » .