تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
المآخذ التي أخذت عليهما متّبعا في شرحه المنهج العلميّ الذي يعتمد على أداء الحقائق والدقّة في البحث والاستقصاء والإفادة ، والمنهج الأدبي الذي جلّ غايته التأثير والتذوّق ، فكان يعمد إلى نظم البيت البديعيّ أوّلا ثم إلى ذكر النوع البديعيّ الذي ضمّنه ، فيعرّفه ، ويناقش تعاريف السابقين له ، ويغيّر اسمه إن لم يرق له أو يلغيه ، أو يفرّع نوعا منه ، أو يضمّه إلى فرع آخر ، أو يضع لذلك الفرع اسما يحدّده ، أو يفرّق بين أنواع تشابهت ، ويعمل على إثبات ذلك بأسلوب أدبيّ يثير الانفعالات وينشّط الأذهان ، وذلك بعرض الحقائق كما أدركها ، فكان أسلوبه جامعا بين الإفادة والتأثير بالعبارة العلميّة الأدبيّة التي توقفنا على مواطن الجمال في النصّ أو حقائق علميّة فيه . وقد اتّجه ابن حجّة في منهجه اتجاهين : اتّجاها علميّا منطقيا كلاميّا ، وآخر أدبيّا وجدانيّا ؛ فأخذ من الاتجاه العلميّ تحديد الأنواع البلاغيّة والبديعية وتعريفاتها من غير مبالغة ، وفرض الأسئلة العقلية واستنتاج النتائج المنطقية ، كما أخذ من الاتجاه الأدبيّ والوجدانيّ الإكثار من الشواهد القرآنيّة وشواهد الحديث الشريف ، والشواهد الشعريّة والنثريّة ، ونقدها وتحليلها تحليلا تطبيقيّا يهذّب الذّوق وينمّي العاطفة ، ويرهف الحسّ ؛ وكانت هذه الشواهد تتبع في « شرحه » التعريف بالنوع البديعيّ مباشرة . ولعلّ أهم ما يميّز منهجه في شرح بديعيّته هو الإكثار من الشواهد من مختلف العصور الأدبية ، فهو بعد أن يشرح النوع البديعيّ ويتناول شواهد عليه من القرآن الكريم والحديث الشريف ، والشعر القديم وشعر المولّدين ، يقف وقفة طويلة عند شعر المتأخّرين من معاصريه ، ويحشد لهم ولنفسه نماذج كثيرة من الشعر والنثر ، بل يتجاوز ذلك ليستشهد بالزجل والدوبيت والمواليا ؛ إلّا أنه كان في استشهاده ببعض أدب معاصريه يميل إلى التزلّف والتملّق لبعض الشخصيات البارزة في زمانه ، كما فعل في استشهاده ببعض المواليا التي نظمها زين الدين بن العجميّ « 1 » . وقد أدّت كثرة الشواهد في « شرحه » إلى أن يظهر ضخما ، فقد كان ابن حجّة ، على سبيل المثال ، يستشهد بالبيت أو البيتين على ظاهرة أو نوع بديعيّ ، ثم يتبع ذلك بقوله : « وأعجبني من هذه القصيدة قوله كذا . . . » ، فيورد عدة أبيات ، وتذكّره هذه الأبيات
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 436 .