تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وحسن المطلب والمقطع ، وتمكن قوافيها ، وظهور القوى فيها ، وعدم الحشو فيها ، بحيث يحسبها السامع غفلا من الصنائع . ولم أرسل هذه الدعوى عارية عن بيّنة ، فقد قالت الحكماء : « الأخير يتعقّب النظر » ، فانظر أيّها الناقد الأديب والعالم اللبيب إلى غزارة الجمع ضمن الرياقة في السمع ، فإنّها نتيجة سبعين كتابا لم أعد منها بابا ، فاستغن بها عن حشو الكتب المطوّلة ، ووعر الألفاظ المعظّلة . . . » « 1 » . ويلاحظ أنّ الحلّيّ لم يلتزم في بديعيته تسمية النوع البديعيّ في كلّ بيت ، اكتفاء بالتعريف به عن طريق المثال ، ولعلّه أراد بذلك أن يسبغ على بديعيّته صفة الوضوح والجمال الشعريّ ، وأن يجنّبها صنعة التعقيد في النظم عند التزام تسمية النوع البديعيّ ضمن البيت . وكان لشرحه على بديعيته قيمة كبيرة وأثر بالغ في علم البديع ، فقد كانت شخصية الحلّيّ بارزة واضحة في شرحه ، وقد عرض مادّته بأسلوب محكم الصياغة ، دقيق المصطلح كثير الشواهد ، عديد المراجع ، مدعم بأقوال علماء البلاغة ، كما تميّزت عباراته بأمانته العلمية المعهودة في عزوه كلّ قول إلى صاحبه ، أمّا اختياره للشواهد فيدلّ على ذوق رفيع وإحساس بجمال اللفظ والمعنى . ولعلّ طريقته الجديدة في التأليف البلاغيّ أغرت المؤلّفين بعده باتباعه ومحاكاة طريقته ، وربّما بزّوه وتجاوزوه بعد أن أفادوا من تجربته في نظم « البديعيات » وشرحها ، من هؤلاء ابن حجّة الحمويّ ، وعزّ الدّين الموصليّ ، وابن جابر الأندلسيّ ، وأبو سعيد شعبان الآثاري ، وابن المقرئ ، وجلال الدين السيوطيّ ، وعائشة الباعونية ، وعبد الغني النابلسيّ . كما أن لشرح بديعيته قيمة أخرى غير تأثيره في حركة التأليف البلاغي التي تلته ، وهي أنّه لخّص فنون البديع وأضاف إليها ، وحوّل هذا الفنّ إلى علم يكتشف به القارئ جمال المعنى ، ويعين الأديب على تحسين أسلوبه وتزيينه بطرق التعبير التي تخدم المعنى . وبهذا يقدّم كتابه هذا مفاتيح التفهّم الجمالي للأدب ، ويعين على ممارسة النقد الأدبيّ ، بالإضافة إلى كونه كشف عن أبيات من الشعر لم تذكر في المصادر الأدبية إلّا لماما ، وعرّف ببعض الشعراء والمؤلفين والمصنفات البلاغية التي ما زال معظمها مفقودا أو مخطوطا .
هامش
( 1 ) شرح الكافية البديعية ص 54 - 55 .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 212 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )