تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وكانت نظرة الباقلّانيّ إلى البديع شاملة ، وقد ذكر كثيرا من فنونه في كتابه « إعجاز القرآن » بلغت الثلاثين ، إلّا أنّه رأى أن لا سبيل إلى معرفة الإعجاز من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووصفوه ، وذلك لأنّ هذا الفنّ ليس فيه ممّا يخرق العادة ويخرج عن العرف ، بل يمكن استدراكه بالتعلّم والتدرّب « 1 » . وإذا ما انتقلنا إلى القرن الخامس الهجري فإنّنا نلتقي بأديب مغربيّ اهتمّ بالشعر وآدابه اهتماما كبيرا ، فنضج الإحساس الفنّي في كتابه « العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده » ، وحظي البديع فيه بنصيب وافر من البحث والشرح . وما يلاحظ في كتابه أنّه أفرد أبوابا منه لمباحث البيان ، وأخرى للمحسّنات البديعيّة ، وهذا يدلّ على أنّه قد بدأ يستقرّ في أذهان النقّاد وأهل البلاغة أن « البيان » غير « البديع » ، وإن خلطوا بين أنواع البيان والبديع ؛ وعند كلامه على البديع يفرّق بينه وبين المخترع ، ثم يرى أنّ أوّل من جمع البديع هو ابن المعتزّ « 2 » . وقد جمع ابن رشيق في كتابه تسعة وعشرين نوعا من البديع ، ورد بعضها عند من سبقه وزاد بعضها وقد بلغت الأنواع الجديدة عنده تسعة . وتتميز دراسة ابن رشيق لما ذكره من فنون البديع بأنها أكثر تفصيلا وإن كانت امتدادا لما ذكره من قبله ، فهو يعرّف الفنّ البديعيّ ثم يتبعه بالشواهد من الشعر والنثر ، وقلّما كان يعرض للشاهد بالشرح اعتمادا على فطنة القرّاء . ثم أتى ابن سنان الخفاجي ، ونظر في هذا الحشد من ألوان البديع ، فرأى أن بعضها ينشأ من وضع الألفاظ في مواضعها ، وبعضها ينشأ من مناسبة الألفاظ للمعاني ، وإذا به في كتابه « سرّ الفصاحة » يعالج فنون البديع في سير حديثه عن حسن اللفظ وحسن المعنى ، ويجعلها على نوعين : نوع يتعلّق بالألفاظ ، وآخر يتعلّق بالمعاني ، فكانت نظرته المتأمّلة هذه مدخلا للعلماء والمتأخرين أن يقسّموا البديع إلى محسّنات بديعية وأخرى معنويّة « 3 » . وتزدهر الدراسات البلاغية في القرن الخامس الهجريّ على يد عبد القاهر
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ص 159 ، 162 . ( 2 ) العمدة 1 / 415 ، 420 . ( 3 ) سر الفصاحة ص 110 ، 118 وما بعدها .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 126 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )