الجرجاني في كتابيه « أسرار البلاغة » و « دلائل الإعجاز » ، حيث تهذّب عنده الإحساس الفنّيّ ، فوضع نظرية علم المعاني في « دلائل الإعجاز » ونظرية علم البيان في « أسرار البلاغة » . ولهذا يعتبر عبد القاهر الجرجانيّ بحقّ مؤسّس البلاغة العربية ، والمشيّد لأركانها ، والموضّح لمشكلاتها ، والذي سار المؤلّفون من بعده على نهجه ، وأتمّوا البنيان الذي وضع أسسه ؛ إلّا أنّ عبد القاهر لم يحاول وضع نظرية علم البديع كما فعل بالنسبة لعلمي المعاني والبيان ، ورغم ذلك فقد تكلّم في أسرار البلاغة عن ألوان من البديع ، ولكن كلامه عنه لم يكن لأغراض بديعيّة بمقدار ما هو لأغراض بيانيّة ، وذلك أنه في « أسرار البلاغة » يحاول الكشف عن المعاني الإضافيّة التي تشتمل عليها الأساليب البيانية من تشبيه وتمثيل واستعارة ومجاز ، فكانت رؤيته إلى علم البديع رؤية بعيدة في تحسينه الذاتيّ ، إذ تحدّث عن الجناس والسجع ، وعيّن موضعهما من الكلام ، ومتى يأتي كلّ منهما مناسبا ومتى يكون نابيا ، وراح يثبت أنّ الجمال فيهما لا يرجع إلى جمال الألفاظ من حيث هي ، وإنّما يرجع إلى ترتيب المعاني في الذهن ترتيبا يؤثّر في النفس . إلّا أنّ الجرجانيّ لم يضف إلى من سبقه جديدا ، ولكنّ بحثه لتلك الأنواع البديعية كان بطريقة جديدة ، لأن استيعابه للبلاغة والجمال يخالف استيعاب من سبقه .
وما إن نصل إلى القرن السادس الهجري حتّى نلتقي بجار اللّه محمود بن عمر الزمخشري الذي قدّم في كتابه « الكشاف » صورة رائعة لتفسير القرآن ، إذ اتّخذ الزّمخشريّ من آي الذكر الحكيم أمثلة وشواهد يوضّح بها كلّ ما استوعبه من قواعد عبد القاهر الجرجانيّ البلاغيّة ، سواء ما اتّصل منها بعلم المعاني أو علم البيان ، وبهذا يكون الزمخشريّ هو من أكمل قواعد الجرجانيّ بالإضافات الجديدة التي وفّق إليها . ورغم اعتبار الزمخشريّ رجل بيان لا رجل بديع ، فقد استدعاه تفسيره البيانيّ في « الكشّاف » أن يشير إلى ما ورد في بعض آي الذكر الحكيم من فنون البديع .
ومن أعلام البديع في القرن السادس الهجري الوطواط رشيد الدين العمري ، وأسامة بن منقذ .
أمّا الوطواط فقد ألّف كتابا في البلاغة الفارسية سمّاه « حدائق السحر في دقائق
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 127
مساهمون: كوكب دياب
ص١٢٧