عوض . وذلك قوله عزّ وجلّ :
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ
" 1 " ، لأنّ معناها ما لم يستقرّ .
وكذلك :
إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
" 2 " .
وزعم سيبويه أنّه يجوز : " خفت أن لا تقوم يا فتى " ، إذا خاف شيئا كالمستقرّ عنده ، وهذا بعيد [ 3 ] .
وأجاز أن تقول : " ما أعلم إلّا أن تقوم " ، إذا لم يرد علما واقعا ، وكان هذا القول جاريا على باب الإشارة ؛ أي : " أرى " من " الرأي " ؛ وهذا في البعد كالذي ذكرنا قبله .
وجملة الباب تدور على ما شرحت لك من التبيين والتوقّع .
فأمّا قول اللّه عزّ وجلّ :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ
" 4 " فإنّ الوجه فيه الرفع ، والمعنى : أنّه لا يرجع إليهم قولا ؛ لأنّه علم واقع .
والوجه في قول الشاعر [ من الكامل ] :
[ 258 ] -
أفنى عرائكها وخدّد لحمها * أن لا تذوق مع الشكائم عودا
الرفع ؛ لأنّه يريد : إنّ الذي أفنى عرائكها هذا . فهذا على المنهاج الذي ذكرت لك .
* * *
هامش
( 1 ) القيامة : 25 .
( 2 ) البقرة : 230 .
[ 3 ] ويشهد لسيبويه قول أبي محجن الثقفي [ من الطويل ] :ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها( 4 ) طه : 89 .
[ 258 ] - التخريج : البيت لجرير في ديوانه ص 339 ؛ ولسان العرب 3 / 161 ( خود ) .
اللغة : العرائك : جمع عريكة ، وهي القوة ، والشد . خدّد : أهزل وأنقص لحمها . والشكائم : جمع مفرده شكيمة ، وهي حديدة معترضة في فم الدابة ، تمنعها من الأكل .
المعنى : يريد أنّ هذه الخيول أهزلتها كثرة العدو ، وعدم قدرتها على الأكل لإنّها مشكومة دائما .
الإعراب : أفنى : فعل ماض . عرائكها : مفعول به ، و " الهاء " : مضاف إليه . وخدّد : " الواو " : حرف عطف ، " خدّد " : فعل ماض . لحمها : مفعول به ، و " ها " : مضاف إليه . أن : مخففة ، واسمها ضمير الشأن .
لا : نافية مهملة . تذوقُ : فعل مضارع مرفوع ، والفاعل مستتر جوازا تقديره : ( هي ) . مع : مفعول فيه ظرف مكان منصوب متعلق ب ( تذوق ) . الشكائم : مضاف إليه . عودا : مفعول به منصوب ، والمصدر المؤول من ( أن ) ومعموليها فاعل للفعل ( أفنى ) أو للفعل ( خدّد ) على ما يعرف بالتنازع .
وجملة " أفنى " : ابتدائية ، وعطف عليها جملة " خدّد " . وجملة " تذوق " : خبر ( أن ) محلها الرفع .
والشاهد فيه : أن المبرد يرجّح الرفع في ( تذوق ) ، وأنّ ( أن ) مخففة من ( أنّ ) الثقيلة ، وليست ( أن ) الناصبة للمضارع .