تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقتضب — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
لم ترد أن تجعل " الأقط " عدلا ل " التمر " فتقول : " أهذا ، أم هذا " ؟ ولكن أرادت : أطعاما رأيت أم قرشيّا ؟ لا يصلح في المعنى إلّا هذا . فأمّا قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
" 1 " فإنّ قوما من النحويين يجعلون " أو " في هذا الموضع بمنزلة " بل " . وهذا فاسد عندنا من وجهين : أحدهما : أنّ " أو " لو وقعت في هذا الموضع موقع " بل " ، لجاز أن تقع في غير هذا الموضع ، وكنت تقول : " ضربت زيدا أو عمرا " ، و " ما ضربت زيدا أو عمرا " على غير الشكّ ، ولكن على معنى " بل " ، فهذا مردود عند جميعهم . والوجه الآخر : أنّ " بل " لا تأتي في الواجب في كلام واحد إلّا للإضراب بعد غلط أو نسيان ، وهذا منفيّ عن اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ القائل إذا قال : " مررت بزيد " غالطا فاستدرك ، أو ناسيا فذكر ، قال : " بل عمرو " ؛ ليضرب عن ذلك ، ويثبت ذا . وتقول : " عندي عشرة بل خمسة عشر " على مثل هذا ، فإن أتى بعد كلام قد سبق من غيره فالخطأ إنّما لحق كلام الأوّل ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
" 2 " فعلم السامع أنّهم عنوا الملائكة بما تقدّم من قوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
" 3 " وقال :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
" 4 " وقال :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
" 5 " وقال :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
" 6 " ، أي : بل هؤلاء الذين ذكرتم أنّهم ولد عباد مكرمون . ونظير ذلك أن تقول للرجل : " قد جاءك زيد " ، فيقول : " بل عمرو " . ولكن مجاز هذه الآية عندنا مجاز ما ذكرنا قبل في قولك : " ائت زيدا أو عمرا أو خالدا " ، تريد : ايت هذا الضّرب من الناس ، فكأنّه قال - واللّه أعلم - : إلى مائة ألف أو زيادة . وهذا قول كلّ من نثق بعلمه . وتقول : " وكلّ حقّ لها علمناه أو جهلناه " ، تريد توكيد قولك : " كلّ حقّ لها " ، فكأنّك قلت : إن كان معلوما ، أو مجهولا فقد دخل في هذا البيع جميع حقوقها . * * *
هامش
( 1 ) الصافات : 147 . ( 2 ) مريم : 88 . ( 3 ) الزخرف : 19 . ( 4 ) الزخرف : 16 . ( 5 ) النحل : 62 . ( 6 ) الأنبياء : 26 .
المقتضب — صفحة 251 | محمد بن يزيد المبرد / حسن حمد / إميل يعقوب