لم ترد أن تجعل " الأقط " عدلا ل " التمر " فتقول : " أهذا ، أم هذا " ؟ ولكن أرادت :
أطعاما رأيت أم قرشيّا ؟ لا يصلح في المعنى إلّا هذا .
فأمّا قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
" 1 " فإنّ قوما من النحويين يجعلون " أو " في هذا الموضع بمنزلة " بل " . وهذا فاسد عندنا من وجهين :
أحدهما : أنّ " أو " لو وقعت في هذا الموضع موقع " بل " ، لجاز أن تقع في غير هذا الموضع ، وكنت تقول : " ضربت زيدا أو عمرا " ، و " ما ضربت زيدا أو عمرا " على غير الشكّ ، ولكن على معنى " بل " ، فهذا مردود عند جميعهم .
والوجه الآخر : أنّ " بل " لا تأتي في الواجب في كلام واحد إلّا للإضراب بعد غلط أو نسيان ، وهذا منفيّ عن اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ القائل إذا قال : " مررت بزيد " غالطا فاستدرك ، أو ناسيا فذكر ، قال : " بل عمرو " ؛ ليضرب عن ذلك ، ويثبت ذا .
وتقول : " عندي عشرة بل خمسة عشر " على مثل هذا ، فإن أتى بعد كلام قد سبق من غيره فالخطأ إنّما لحق كلام الأوّل ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
" 2 " فعلم السامع أنّهم عنوا الملائكة بما تقدّم من قوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
" 3 " وقال :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
" 4 " وقال :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
" 5 " وقال :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
" 6 " ، أي : بل هؤلاء الذين ذكرتم أنّهم ولد عباد مكرمون .
ونظير ذلك أن تقول للرجل : " قد جاءك زيد " ، فيقول : " بل عمرو " .
ولكن مجاز هذه الآية عندنا مجاز ما ذكرنا قبل في قولك : " ائت زيدا أو عمرا أو خالدا " ، تريد : ايت هذا الضّرب من الناس ، فكأنّه قال - واللّه أعلم - : إلى مائة ألف أو زيادة . وهذا قول كلّ من نثق بعلمه .
وتقول : " وكلّ حقّ لها علمناه أو جهلناه " ، تريد توكيد قولك : " كلّ حقّ لها " ، فكأنّك قلت : إن كان معلوما ، أو مجهولا فقد دخل في هذا البيع جميع حقوقها .
* * *
هامش
( 1 ) الصافات : 147 .
( 2 ) مريم : 88 .
( 3 ) الزخرف : 19 .
( 4 ) الزخرف : 16 .
( 5 ) النحل : 62 .
( 6 ) الأنبياء : 26 .