إنّما أراد : " أمرنا حنان " ؛ كقوله عزّ وجلّ :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
" 1 " فالتقدير : فيما يتلى عليكم مثل الجنّة ، ثمّ قال : " فيها ، وفيها " .
ومن قال : إنّما معناه : صفة الجنّة فقد أخطأ ؛ لأنّ " مثل " لا يوضع في موضع صفة .
إنّما يقال : " صفة زيد أنّه ظريف " ، و " أنّه عاقل " . ويقال : " مثل زيد مثل فلان " . وإنّما المثل مأخوذ من المثال والحذو ، والصفة تحلية ونعت .
* * * فأمّا تأويل قولهم : " لبّيك " ، فإنّما يقال : " ألبّ فلان على الأمر " : إذا لزمه ودام عليه .
فمعناه : مداومة على إجابتك ، ومحافظة على حقّك . فإذا قال العبد لربّه : " لبّيك " ، فمعناه :
ملازمة لطاعتك ، ومحافظة على أمرك .
وقولك : " سعديك " . إنّما معناه من قولك : قد أسعد فلان فلانا على أمره ، وساعده عليه . فإذا قال : " اللّهمّ لبّيك وسعديك " ، فإنّما معناه : اللهمّ ملازمة لأمرك ، ومساعدة لأوليائك ، ومتابعة على طاعتك .
فلو كان الباب واسعا ، لكان متصرّفا ؛ لأنّه بمنزلة " الضّرب " من " ضربت " ، ولكنّهما مشتقّان للمبالغة من الفعل ك " سبحان اللّه " ، و " معاذ اللّه " ؛ فلذلك ألزما طريقة واحدة .
فأمّا " حنان " فمنفرد ؛ لأنّه من " حننت " ، مثل قولك : " ذهبت ذهابا " ، ويتصرّف في الكلام في غير الدعاء
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
" 2 " وتقول : " تحنّن عليّ " ، فهذا وجه ما جاء على فعله ، وما لم يأت عليه فعل .
فأمّا قولهم : " شكرانك لا كفرانك " ، فهما مصدران لحقتهما الزيادة . وإنّما التقدير :
شكرا لا كفرا ، ولكن وقعت الزيادة للمبالغة .
* * * واعلم أن المصدر كسائر الأسماء إلّا أنّه اسم للفعل ، فإذا نصبت ، فعلى إضمار الفعل .
فمن المصادر ما يكثر استعماله ، فيكون بدلا من فعله .
هامش
( 1 ) الرعد : 35 .
( 2 ) مريم : 13 .