وكذلك " أنّ " الثقيلة . تكون مع صلتها مصدرا . تقول : " بلغني أنّكم منطلقون " ، أي :
بلغني انطلاقكم .
وكذلك " ما " بصلتها تكون مصدرا . تقول : " سرني ما صنعت " ، أي : سرّني صنيعك .
فأمّا قولهم : " أنا مقيم ما أقمت " ، و " جالس ما جلست " ، فهو هذا الذي ذكرنا من المصدر ؛ ألا ترى أنّك تقول : " آتيك مقدم الحاجّ " ، و " أتيتك إمرة فلان " . إنّما تريد : وقت إمرة فلان ، ووقت قدوم الحاجّ .
فإذا قلت : " أقيم ما أقمت " ، فإنّما تقديره : أقيم وقت مقامك ، ومقدار مقامك .
واعلم أنّك إذا أدخلت شيئا في الصلة ، فنعته وفعله والبدل منه داخلات في الصلة .
ولو قلت : " جاءني الذي ضرب عبد اللّه زيدا الظريف يوم الجمعة قائما في داره " ، لكان هذا أجمع في صلة " الذي " ، ويعلّق بها الهاء التي في قولك : " داره " ، ودخل " الظريف " في الصلة ؛ لأنّه نعت ل " زيد " وهو في الصلة . فعلى هذا تجري هذه الأشياء .
تقول : " رأيت المطعمة المكرمة المعطية درهما عبد اللّه " .
فهذه مسألة صحيحة ، وتأويلها : رأيت الرجل الذي أطعمه الرجل الذي أكرمه الرجل الذي أعطاه درهما عبد اللّه .
ف " عبد اللّه " هو المعطي ، والمعطي هو المكرم ، والمكرم هو المطعم .
* * * ولو قلت : " طعاما طيّبا " عند قولك : " رأيت المطعمة " أو بعد " عبد اللّه " ، جاز ، فإن جعلته بين شيء من هذا وبين صلته ، لم يجز أن تفصل بين الصلة والموصول .
* * * ولو قلت : " رأيت المعطي أخاك الشاتمة ، درهما زيد " ، لم يجز ؛ لأنّك فصلت بين " زيد " وبين " شاتمه " ، وقلت " درهما " بعد " الشاتمة " ، ففصلت ب " الشاتمة " بينه وبين المعطي .
ولكن " رأيت المعطي أخاك درهما الشاتمة زيد " ، إذا نصبت " الشاتمة " بالنعت ل " المعطي " ، أو جعلت " رأيت " من رؤية القلب ، فجعلت " الشاتمة " مفعولا ثانيا .
فإن أردت أن ترفع " الشاتم " لأنّه المعطي ، لم يكن بدّ من أن تجعل فيه كناية ترجع إلى الألف واللام في " المعطي " .
المقتضب — صفحة 160
مساهمون: محمد بن يزيد المبرد
ص١٦٠