تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكافي ( دار الحديث ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
هامش
فيه ؛ فإنّ كلّ هذه التصديقات مستلزمة للتوجّه إليه ، وإلّا فما الذي نثبته أو ننفيه أو نشكّ فيه ؟ نعم ، هذا التوجّه لا يمكن أن يكون من طرق الحواسّ المحدّدة ؛ لأنّها لا تؤدّي إلّاإلى محسوسات محدودة مشخّصة ، فهي بمنزلة مرآة محدودة لا تُري إلّا مرائي محدودة كما ذكرناه . وتلخّص من جميع ما تقدّم من عدم مجيء قاعدة الصفات في حقّ الواجب جلّ وعلا ، وكذلك من عدم إمكان وقوعه معقولًا بماهيّته وإمكان التوجّه إليه لا من طرق الحواسّ المحدّدة ، أنّه : « لابدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين : إحداهما النفي ؛ إذ كان النفي هو الإبطال والعدم ، والجهة الثانية التشبيه ؛ إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف » فليعلم أنَّ ما ذكره الإمام عليه السلام هو إرشاد إلى آخر مراتب التوجّه في هذا المقام ، فإنّا لم نعثر من الفلاسفة والحكماء في هذ الباب إلى شيء يقنع به العقول الفعّالة ؛ فإنّ كلّ ما ذكروه في هذا المقام يستلزم أسئلة لا يجاب عنها جواباً كافياً ، فلابدّ لنا حينئذٍ أن نسترشد بقوله عليه السلام : « فلم يكن بدّ من إثبات الصانع ؛ لوجود المصنوعين ، والاضطرارُ منهم إليه أثبت أنّهم مصنوعون وأنّ صانعهم غيرهم وليس مثلهم ؛ إذ كان مثلهم شبيهاً بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا » ، فهذا هو من المرتكزات الأوّليّة في الأذهان من أنّ ما بالغير لا بدّ وأن ينتهي إلى ما بالذات ، وأنّ ما يكون نسبة الوجود والعدم إليه على حدّ سواء ، يحتاج في ترجّحه إلى مرجّح . ثمّ قال السائل : « فقد حدّدته إذ أثبتَّ وجوده » ؛ الظاهر أنّ السائل لم يكن يحفظ ما يقوله الإمام عليه السلام جواباً لسؤالاته ؛ لأنّه عليه السلام قد صرّح واستدلّ على استحالة تحديده ، ومن المعلوم أن الحدود والتشخّصات إنّما تكون من قبل الماهيّات ، لا أنّ الوجود بمجرّده يستلزمها ؛ ولذلك أجابه عليه السلام : « لم أحدّه ولكنّي أثبتّه ؛ إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلة » ؛ يعني عليه السلام حيث لم يمكن لنا النفي ولا التشبيه بسائر المخلوقات فيجب لنا الإذعان بوجوده وثبوته فقطّ . قال له السائل : « فله إنّيّة ومائيّة ؟ » . قال : « نعم لا يثبت الشيء إلّا بإنّيّة ومائيّة » . أقول : ليس المقصود بالإنّيّة والمائيّة في المقام ما اصطلحنا عليه في علم المعقول ، المطلق على جميع الممكنات في قولنا : كلُّ ممكن زوجٌ تركيبيٌّ ، بل اللازمُ بقرينة المعاني المذكورة المثبتة لبساطته وعدم معلوليّته جلّ وعلا أَنْ يراد بهما الحقيقة والوجود ، ولكن لا بمعنى الماهيّة المنتزعة عن الجنس والفصل المستلزمين للتركّب ونسبتهما ، أينسبة الإنّيّة والمائيّة في المقام إليه تعالى نظير نسبة الصفات الذاتيّة إلى الذات في كونهما مشيرين إلى حقيقة واحدة كما ذكر . قال له السائل « فله كيفيّة ؟ » . قال : « لا لأنَّ الكيفيّة جهة الصفة والإحاطة » وكلٌّ منهما ينافي بساطته وقاهريّته المطلقتين ، وأمّا من جهة أنّ التكيّف بكيف يستلزم توصيفه وإحاطة الواصفين به من ذلك الوجه ، وهذا الوجه بقرينة الجمل الآتية أقرب إلى سياق الكلام . قوله عليه السلام : « ولكن لابدّ من إثبات أنّ له كيفيّة لا يستحقّها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره » ،