هامش
أشياء قد سلّم بوجودها ، وهذه الخاصّة العقلانيّة هي من أهمّ الأسباب في تكثّر المعلومات والمعقولات ، وعلى هذه القاعدة الضرورية سأل السائل عن الحقيقة والماهيّة قياساً منه على سائر الحقائق ، فأجابه الإمام عليه السلام : « هو شيء بخلاف الأشياء » .
أقول : قد ورد سلب المعاني المدركة عن الألفاظ المطلقة على الذات الأقدس جلّ شأنه في أبواب التوحيد والصفات والأسماء غير مرّة ، فيمكن أن يقال : إنّه - مع دلالة العقل على ذلك - قد تواترت الأخبار والروايات في هذا المقام بحيث لا يمكننا الشكّ والتوقّف لا عقلًا ولا نقلًا في أنّ الألفاظ المطلقة عليه تعالى لا يمكن أن يراد بها ما نتعقّله من المعاني المتحصّلة عن المدركات المأخوذة من النفس المدرك والخارج المدرك ؛ فإنَّ جميعَ ما ندركه ونؤدّيه بالألفاظ المتعارفة محفوفٌ بوصمة الحدود والرسوم ، وجلَّ جناب الحقّ أن يكون محدوداً ومرسوماً .
قوله عليه السلام : « أرجع بقولي شيء إلى إثبات معنى » فكأنّ سلب جميع المعاني المحمولة على الشيء أوجب توهّم كون هذا الشيء ألفاظاً وحروفاً مجرّدة عن أيّ معنى معقول ؛ إذ ما من معنى يمكن أن يطلق عليه الشيء قد صار مسلوباً منه ، فأيّ معنى يكون لفظ الشيء مستعملًا فيه ؟ فلذلك قال عليه السلام : لا أقصد بذلك أنّه لفظ محض بل « وأنّه شيء بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه لا جسم ولا صورة ولا يُحَسّ ولا يُجَسّ ولا يُدرَك بالحواسّ الخمس » ؛ فإنّه تعالى موجود بحقيقته غير المدركة ؛ لأنَّ جميع ما ندركه به بمنزلة مرآة محدودة لا تُري إلّامرائي محدودة ، فليس لنا أن نتجسّس ونتفحّص عنه كما نتفحّص عن حقائق سائر المدركات .
والحاصل أن الإدراك بأيّ آلة كانت لا يتعلّق بشيء إلّا أن يستشرف عليه ويحدّه بمعانٍ يعلمها من الأجسام والصور وغيرها من المدركات ، فلمّا لم يكن جلّ شأنه وعزّ سلطانه جسماً ولا صورة ولا غيرها ، فلا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ، ولا يغيّره الزمان ؛ لوضوح أنَّ النقصان والتغيّر إنّما يعرضان على ما من شأنه الحركة والسكون ، وإذ لم يكن عزّ اسمه جسماً ولا جسمانيّاً فلم يكن معروضاً للنقصان والتغيّر . ومن هنا ينقطع السؤال عن كيفيّة كونه تعالى قبل خلق الممكنات منسوباً إليه الزمان ، فإنّ الزمان إنّما ننتزعه من الحركة المستحيلة بالنسبة إلى فاقد المادّة والصورة بتمام معانيهما .
ثُمَّ سأل عن معنى إسناد السمع والبصر إليه تعالى ، فقال عليه السلام : « هو سميع بصير : سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه » ، ولمّا استلزم السمعُ والبصر بالجارحة والآلة التركّبَ المتسحيل في شأنه تعالى إن كانت الجارحة والآلة داخليّة ، والافتقارَ إلى الغير إن كانت خارجيّة ، فقال عليه السلام : « إنّه يسمع بنفسه ويبصر بنفسه » .
أقول : اعلم أنّ الصفات المستندة إلى الذات الأقدس على قسمين : أحدهما : الصفات الذاتيّة ، وهي التي تشير - مع تعدّدها - إلى كمال الذات الواحد الأحد ، فهي متعدّدة بحسب اللفظ والمفهوم ، لا الحقيقة الواقعيّة ، فنسبة هذا القسم من الصفات إلى الذات نسبة العبارات المختلفة إلى جمال واحد وكمال فارد . وثانيهما : الصفات