أتحسبين أن تتركي سدى ، ألم تكوني نطفة من منيّ يمنى ، ثمّ كنت علقة فخلق فسوّى ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، فما لك لا تعرفين قدرك ، ولا تأخذين حذرك ، ولو أنّ طبيبا يهوديّا أو حكيما نصرانيّا أخبرك في ألذّ أطعمتك بدائه وعدم دوائه لصبرت عنه وتركته ، وجاهدت نفسك فيه ، أفكان قول القرآن المبين والأنبياء والمرسلين ، أقلّ تأثيرا من قول يهوديّ يخبر عن تخمين ، أو نصرانيّ ينبي عن غير يقين ، والعجب أنّه لو أخبرك طفل بأنّ عقربا في جيبك ، لرميت ثوبك ، أو حيّة في إزارك لرميت بأطمارك ، أفكان قول الأنبياء والأبدال ، أقلّ عندك من قول الأطفال ، أم صار حرّ جهنّم وزقّومها ، أحقر عندك من العقرب سمومها ، ولا جرم فلو انكشف للبهائم علانيتك وسريرتك ، لضحكوا من غفلة سيرتك .
فإن كنت يا نفس قد آمنت في المحشر بسؤالك ، وقد عرفت جميع ذلك هنالك ، فما بالك تسوّفين العمل وقد دنا الأجل ، ولعلّه يختطفك من غير مهل ، وكانا للموت ركب مخبّون ، سراع لمنهل مورودون ، فمن لا يطّعم الدّابّة إلّا في الحضيض ، لا يقدر على قطع العقبة ، ومن لا يملك قيراطا من المال كيف يفكّ الرّقبة ، وهب أنّ الجهد في آخر العمر نافع ، وأنّه مرق إلى أسعد المطالع ، فلعلّ اليوم آخر عمرك ونهاية دهرك ، فما المانع لك من المبادرة إلى صالح الأعمال ، وما الباعث لك على التّسويف والإهمال ، وهل سببه إلّا عجزك عن مخالفة شهوتك ، وضعفك عن مخالفة أئمّتك .
يا نفس : غالبي الشّهوة قبل قوّة ضراوتها ، ولم يقدر على منعها صاحبها ، لأنّ الشّهوة كالشّجرة النّابتة ، والصّخرة الثّابتة ، الّتي تعبّد العبد بقلعها وأمر بنزعها ، فمن ترك قلعها وعجز عن نزعها ، كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شابّ قويّ الهمّة ، فأخصرها بعد أمّة « 1 » إلى الضّعف وابيضاض اللّمة ، مع العلم بأنّ طول المدّة ، تزيد الشّجرة قوّة وثباتا ، وتزيد القالع ضعفا وشتاتا .
وبالجملة : فما لا يقدر عليه في المشيب ، لكن من التّعذيب تهذيب الذّنب ومن العناء رياضة الهرم .
هامش
( 1 ) أمّ يؤمّ أمّا أي قصد فأخّرها بعد أمّه أي بعد التوجّه إلى الضّعف .