المختلفة والطبائع المتضادة ، من المرة والبلغم والرّيح والدّم ليهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى ، رضي أم سخط .
فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرّا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيحول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وتكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل إن ترك ، وإن اختطف فهو عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا من غيره ، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ، وأنّى يليق الكبر به لولا جهله ، فهذا وسط أحواله فليتأمل .
وأمّا آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
( 21 ) « 1 » فيصير جيفة منتنة قذرة ، ثم تبلى أعضاؤه وصورته ، وتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فتصير رميما رفاتا ثمّ يصير روثا في أجواف الدّيدان ، يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر به البنيان ، فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحيى بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزّقة مشققة ، وأرض مبدلة ، وجبال مسيرة ، ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنّة ينظر إليها المجرم فيتحسّر ، ويرى صحائف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وهو معنى قوله عزّ وجلّ :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( 22 ) « 2 » فما لمن هذا حاله والتكبّر ، بل ما له وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر .
هامش
( 1 ) عبس : 21 .
( 2 ) عبس : 22 .