جمعهم بورا ، وأملهم غرورا ، وخلّفوا فرادى في أضيق المضاجع ، وصرعتهم المنايا في أعجب المصارع ، وذهبت الشّهوات وبقيت التّبعات .
يا نفس : كيف يفرح بصحبة الدّنيا صدرك ، وكيف يلتئم في غمراتها أمرك ، وقد دعاك باقتراب الأجل قبرك .
يا نفس : قد خفقت فوق رأسك أجنحة الموت ، ودمعتك من قريب أعين القرت « 1 » ، واهملي عبراتك إذا ذكرت عثراتك .
يا نفس : حتّام إلى الحياة سكونك ، وعمارتها إلى الدّنيا ركونك ، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من الآفك ، ومن فجعت به من إخوانك ، ونقلت إلى دار البلى من أقرانك .
وكما قال الشاعر :
( البحر الطويل )
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها * محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمّتهم تحت التّراب الحفائر
وحلّوا بدار الا تزاور بينهم * وأنّى لسكّان القبور التّزاور
فكيف أنت يا نفس وهذه الحالة ، وأنت صائرة إليها لا محالة ، أم كيف تتهنّئين بحياتك ، وهي مطيّتك إلى مماتك ، أم كيف تسبغين طعامك ، وأنت تنتظرين حمامك ، وهل يحرص على الدّنيا لبيب ، ويسرّ بلذّتها أريب ، وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ، أم كيف تنام عين من يخشى البيات ، أو تسكن نفس من يتوقّع الممات .
يا نفس : أراك تفرحين كلّ يوم بزيادة مالك ، ولا تحزنين لنقصان عمرك وصالح أعمالك ، ولا ينفع مال زيد وعمر ينقص ، ولهمّ يدوم ونعيم يخلص ،
هامش
( 1 ) القرت : الجمد والمعنى إنّ دموعك عن قريب يجمد ولا يخفى ما في العبارة . ولعلّ إنّ الفوت أصحّ .