الفكرية ، ولا تشتغل بالمسائل النظرية المجردة وإنما بالمسائل العملية المشخصّة ؛ وبفضل استبدال فلسفة الدين تقرير العقيدة مكان تفهيمها على المقتضى الحديث واستبدالها الاشتغال بالمسائل العملية مكان الاشتغال بالمسائل المجردة ، تكون عبارة عن ثمرة من ثمار حركة اليقظة الفكرية التي يشهدها العالم الإسلامي في عصرنا هذا .
يتخلص من هذا أن عملنا الفكري في الكتاب الذي بين يدي القارئ يتصف بخاصيتين اثنتين أساسيتين :
إحداهما ، أنه عمل حداثي بموجب منطق الحداثيين ، ذلك أن هؤلاء لا يسلّمون بالحداثة إلا لما كان له أصل في الحركة الأنوارية ؛ والفلسفة الدينية ، على ما تقدم ، لم تبرز إلى حيز الوجود إلا في سياق هذه الحركة المجدّدة ، وواضح أن عملنا هذا يندرج في هذه الفلسفة الجديدة ، فيكون حداثيا مثلها ؛ إلا أن الفرق بيننا وبين هؤلاء الحداثيين هو أننا لم نقم في هذا بتقليد غيرنا كما هم يفعلون وبه ينصحون ، وإنما صادفنا حداثته بموجب شعورنا بحاجة المسلم المعاصر إلى فكر ديني متميز يناسب عصره ، فنكون قد أتينا بحداثة من إبداعنا ، لا من إبداع من هو أجنبي عنا ، تاريخا وتداولا .
وإذا صح أن هذا العمل الفلسفي حداثي صريح ، صح معه أيضا أن النقد الأخلاقي الذي جاء به للحداثة في مظاهر مختلفة منها يستوفي شرط المناسبة ؛ ومقتضى هذا الشرط أن تكون الوسيلة من جنس الموضوع الذي يتوسل بها إليه ، والوسيلة الفلسفية التي استعملناها في هذا النقد تجانس الموضوع الذي أنزلت عليه ، فكلاهما ينتسب إلى الحداثة ؛ بل إنها - باعتبار واحد على الأقل - تستوفي هذا الشرط بما لا يستوفيه ما عداها ، ذلك أن الخاصية الحداثية لهذا العمل حقيقية وليست أبدا زائفة ، لأنه ثمرة اجتهاد وإبداع انطلاقا من خصوصية حاجتنا الفكرية ، لا ثمرة تقليد لحداثة الغير وتشبها به ، على سبيل التبعية له .
والخاصية الثانية ، أنه عمل تجديدي بموجب منطق التقليديين ، ذلك أن هؤلاء لا يقبلون وجود اجتهاد نظري في الدين يخرج عما ألفوه في باب الفقهيات أو الحديثيات ، فما الظن بفكر ذي صبغة فلسفية يدور على الدين ، بل الأدهى من ذلك أنه يكفي النطق بكلمة " الفلسفة " لإثارة اشمئزاز هؤلاء واستنكارهم كما يثير النطق بكلمة " الدين " اشمئزاز واستنكار خصومهم الحداثيين ؛ ونحن في هذا الكتاب جئنا
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 225
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص٢٢٥