على الأقل بشيئين اثنين لا يتسع صدرهم لقبولهما .
أولهما ، أننا حددنا مفهوم " الدين " تحديدا لا يتفق مع مذهبهم فيه ، فهم يجعلونه جملة شعائر جامدة ، ناظرين إليه بعين العلم ، بينما نجعله نحن جملة أخلاق حية ، ناظرين إليها بعين العمل ، بحيث صارت قيمة الشعيرة بحسبنا مردودة إلى قيمة الخلق أو الأخلاق التي تثمرها ؛ مما أفسح لنا المجال لكي نجعل الحقيقة الدينية مراتب ينزلها الأفراد على اختلاف درجات تخلّقهم ، ونبرز مقتضيات المنطق التكاملي الذي تنبني عليه هذه المراتب ، بحيث صارت معقولية الشعيرة بحسبنا مستمدة من معقولية الخلق أو الأخلاق التي تقترن بها .
والشيء الثاني ، أننا اتبعنا في بسط هذا الفكر الديني منهجا مخصوصا لا يأخذون به البتة ، فهم يعرضون أقوالهم في صورة تقريرات مفككة يزيّنونها بشواهد من القرآن الكريم والسنة الشريفة ، ويحشونها بأقوال بعض المفسرين أو المحدّثين ، حتى يتعظ بها وينهض للعمل بها من هم أصلا يؤمنون بهذه الشواهد ؛ في حين نعرض نحن أقوالنا في صورة استشكالات واستدلالات يشد بعضها برقاب بعض على طريقة الفلاسفة ، مستوفين مقتضى العقلانية الحديثة ، حتى نزوّد الحقائق الدينية بفضاء فكري يضاهي قوة وسعة الفضاء الفكري الذي وضع لحقائق غير دينية كالحقائق العلمية ، وقد يسهم هذا الفضاء الواسع في حفظ الدين بما لا يحفظه به الجمود على ظاهره ، بل قد يرقى إلى رتبة انتزاع التصديق والإقرار من أولئك الذين ليست عادتهم التسليم بالشواهد الشرعية ، وإلا فعادتهم الجحود بها ، متى يتبنوا حدود أنظارهم وتهافت أدلتهم ضمن هذا الفضاء الفكري الجديد .
وإذا صح أن هذا العمل يراجع مفهوم " الدين " بردّه كله إلى الأخلاق ويتّبع في هذه المراجعة منهجية استدلالية ، صح معه أيضا أنه لا يمكن لهؤلاء إلا أن يعدّوه عملا شاذا عن عادتهم في التأليف ، فيرمونه بالابتداع كما يرميه خصومهم بالإغراب ؛ ولئن كانت تهمة الابتداع تعتبر عند التقليدين قبيحة كما تعتبر تهمة الإغراب قبيحة عند الحداثيين ، فهي عندنا لا تخلو من وجه حسن ، وهذا الوجه هو معنى " الإتيان بشيء على غير مثال سابق " ، ومقتضى التجديد إنما هو هذا الإتيان غير المسبوق ، فيكون عملنا من هذه الجهة على الأقل عملا مجددا بلا ريب ؛ أما عن كون هذا التجديد قبيحا - أو مذموما ، فإن اتفاق فئة التقليدين وفئة الحداثيين معا على ذلك ، وهما على طرفي نقيض ، يشعر بأن هذا الوصف مشكوك في
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 226
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص٢٢٦