تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
تدفع الإنسان إلى العمل والمجاهدة وممارسة الحياة الروحية والخلقية معا ، وليست خصوبة معنى الحرية في مجرد ما لزم عنه من عمل إبداعى وجهد خلاق طلبا لصفاء النفس وطهارة الروح وسعيا لإثراء القيم الدينية بمضامين روحية وخلقية معا ، ولكن في ذلك التغيير الجوهري لكثير من قيم الحياة ليضمنوها معاني خلقية : اجعل فقرك للّه تستغنى به عمن سواه ، من تعزز بشئ غير اللّه فقد ذل في عزه « 1 » . وللصوفية بعد ذلك بهذا الفهم للحرية فضل السبق على كثير من الاتجاهات الحديثة لدى فلاسفة كفختة وفوييه وجبرييل مارسيل وغيرهم ، أولئك الذين رفضوا المفهوم التقليدى للحرية القائم على « حرية الاختيار » وأقاموا بدلا منه مفهوم « إرادة الحرية » المماثل للمفهوم الصوفي ، ثم للصوفية فضل السمو على الاتجاهات الوجودية منها على الخصوص ، تلك الاتجاهات التي أرادت للإنسان انفصالا باسم الحرية فتركته في دوامة اليأس والقلق والحسر النفسي لأنها ضنت عليه أن يتخذ لنفسه هاديا من الأخلاق والدين متوهمة أن في ذلك سلبا لوعيه بالحرية متجاهلة أن إرادة الحرية في حقيقتها تجربة روحية ينتشل الإنسان فيها نفسه من رق القيم المادية ليحقق لذاته وجودا أسمى ولن يتسنى له ذلك إلا بقيم مغايرة روحية في جوهرها خلقية في مضمونها وذلك حتى لا يعيش الإنسان كما أرادت له الاتجاهات الوجودية في فراغ اليأس وخواء الملل . * * * وبعد هل في التصوف ميتافيزيقا أخلاق ؟ وهل يتسنى قيام أخلاق في ظل مذهب جبري ؟ نستطيع الآن أن نجيب عن هذين السؤالين بلفظة واحدة : الحرية ، فليس في التصوف ميتافيزيقا تصلح أساسا لقيام أخلاق إلا هذا الأصل الجامع الذي قدموه في غير جدل أعنى الحرية ، ولا يتسنى قيام أخلاق مع القول بالجبر إلا بما قدمه الصوفية من معنى خصب للحرية .
هامش
( 1 ) السلمى : طبقات الصوفية ص 321 .