التي بموجب علمه قد علم أنها زائلة مجلبة للهموم والكدورات .
وفريق ثالث من جماهير الحمقى ظنوا أن الموت عدم محض وأن الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما ، وغالبا ما لا يدعوه إلى هذا الرأي برهان يستند إليه أو دليل يعتمد عليه ، وإنما عجز عن مقاومة الهوى ودعوة إلى البطالة ، ثم ينسب هذا المعتقد إلى فيلسوف عارف بدقائق الأمور ، ولكن المسترشد يعرف الغلط في ذلك إذ كيف إلى دليل غفل عنه الأنبياء والأولياء والحكماء وكافة العقلاء .
وفرقة رابعة أنكرت اللذة الحسية حقيقة أو خيالا ولم تقنع باللذة الحسية أو العقلية ، أدركت أن السعادة الدنيوية قاصرة قصيرة وأن ما عند اللّه خير وأبقى ، ولكنهم لا يطلبون الجنة على عملهم لأن مطلب القاصدين إلى اللّه أشرف وأسمى ، فليس من غايتهم الحور والقصور والاشتغال بنعيم الحياة وزخرفها كمن همته مجالسة مولاه والنظر إلى وجهه الكريم « 1 » .
فلا معنى للسعادة إلا نيل النفس الإنسانية كمالها وما كمالها إلا التجرد عن علائق الدنيا والانكباب بجملة الهمة على التفكير في الأمور الإلهية ، فبالمجاهدة والرياضة وبالتفكر والمعاينة تنال النفس سعادتها فلا علم بلا عمل
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ »
ذلك هو العلم ،
« وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »
ذلك هو العمل .
هذا العرض مع النقد لاتجاهات طالبى السعادة يصلح أن يكون مقدمة لنزعة الصوفية في الأخلاق فضلا عما فيه من تحديد للمفهوم الصوفي للسعادة .
وليست هذه السعادة أخروية فحسب ولكنها في الدنيا كذلك حين يترقى الصوفي من مقام إلى مقام حتى يصل إلى مقام التوحيد ، يقول ابن خلدون : ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهى إلى
هامش
( 1 ) للسلمى : طبقات الصوفية - ص 107 .