تمهيد في أن الصوفية هم الذوقيون في الإسلام
يفيد لفظ الذوق كمنهج للمعرفة إصابة الحقيقة بالشهود أو العيان فلا تتكشف أسرار الحقيقة إلا بتجربة روحية أو حال تقتضى المكابدة والمعاناة ، ولا تتم الرؤية الباطنة بنظر عقلي من حيث لا يستند التذوق إلى العقل والجدل وإنما إلى الوجدان والإرادة .
ولفظ الذوق أبلغ في الدلالة من الحدس ، لأن الحدس بالمعنى الفلسفي لفظ عارض في اللغة العربية وهو لا يفيد إلا الإدراك المباشر دون واسطة في مقابل الاستدلال فضلا عن أنه قد يكون عقليّا حين يتعلق ببديهيات رياضية ، وليس الذوق كذلك من حيث إنه يبدو معارضا لكل أثر عقلي فضلا عن أنه لا يتعلق بالنظر وإنما يقتضى حالا تتصل عندها النفس الذائقة بالموضوع المذاق ومن ثم فالذوق سلوك وليس كذلك الحدس .
ويتضح الفرق بالتمييز بين اتجاه الحدسيين في الأخلاق من أمثال شافتسبرى وهتشسون وبين اتجاه الصوفية ، هؤلاء لم يقصدوا إلا أن يسندوا القيم الخلقية إلى العاطفة أو الوجدان وأن يجعلوها فطرية يستوى فيها الناس جميعا ، بينما لا يكون الذوق لدى الصوفية إلا باستغراق الوجد ، ولا يكون ذلك إلا للخاصة الذين تتكشف لهم أسرار الحقيقة بضرب من الإلهام ، فلا يتم الذوق إلا بتجربة روحية وحال ، ولا يسمى الذوق ذوقا إلا بسلوك عملي هو بطبيعته معارض للنظر العقلي .
ولا ريب في أن الصوفية هم الذوقيون لأن من خصائص الطريق الصوفي أنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة بالتعلم بل بالذوق والحال وأن سبيلهم