تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة « 1 » . لقد لقيت السعادة كغاية للحياة نقدا من الفيلسوف كانط من حيث إنها قد تكون معارضة للفضيلة ومن ثم فإنها تفقد السلوك أخلاقيته حين تصبح غاية ، غير أن الأمر ليس كذلك لدى الصوفية ، فإن معاينة الحق مقصدهم من التوحيد تقضى إسقاط الأوصاف الذميمة للنفس وقيام الصفات المحمودة بها ، يقول القشيري في شرح مقام الفناء موضحا التلازم بين التوحيد والأخلاق : ففناء العبد عن أفعاله الذميمة وأحواله الخسيسة بعدم هذه الأفعال ، وفناؤه عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم « 2 » . ولا يعد التصوف مذهبا أخلاقيّا لأنه يحدد غاية الحياة فحسب بل إنه يجيب على مصدر الإلزام الخلقي ، وبالرغم من أن بعض فلاسفة الأخلاق يستبعدون المذاهب الدينية من نطاق الدراسة الأخلاقية لأنها في رأيهم ترد الإلزام الخلقي إلى سلطة خارجية فإن التصوف مع كونه اتجاها روحيّا لا يوافق على التخلق والعبادة رهبة فهي عبادة العبيد ولا رغبة لأنها عبادة التجار وإنما تكون العبادة شكرا وتلك عبادة الأحرار « 3 » . أريد أن أخلص من هذا كله إلى أن استغراق الصوفية في مواجيدهم وفنائهم في شهود الحق لم يحل دون أن يقدموا وصفا لأحوالهم ومقاماتهم بل أن يعارضوا الفقهاء والمتكلمين ذاكرين فضل طريقهم بما يصلح أن يكون مذهبا أخلاقيّا متكاملا . ولكن يبدو أن اعتبار التجارب الصوفية مكونة لنسق فلسفي أخلاقي يستند إلى قضية أولى ، ألا وهي اعتبار التصوف مذهبا أخلاقيّا ، وقد عرف للتصوف
هامش
( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 328 . ( 2 ) القشيري : الرسالة ص 37 . ( 3 ) ابن الجوزي : صفة الصفوة - ح 2 ص 53 عبارة أحمد بن خضرويه ) .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 203 | أحمد محمود صبحي