الصوفية إجابة عليها ؟ ما هي غاية الحياة ؟ ما هو الخير الأقصى ؟ هل سلطة الإلزام الخلقي باطنية أم خارجية ؟ وهل يحكم على الفعل حسنا أم قبحا وفقا للغاية والنتيجة أم الباعث والنية ؟ هذه وغيرها مشكلات ضرورية لتحديد نسق أي مذهب أخلاقي .
ومن ناحية ثالثة بالرغم من مجافاة الصوفية لأساليب الجدل فإنه لم يكن هناك مفر من أن يواجهوا الخصوم والمخالفين ، ولقد وجد الصوفية أنفسهم خصوما للفقهاء والمتكلمين فكان عليهم أن يدافعوا عن اتجاهاتهم ومسلكهم .
وبصدد عرض مذهبهم الأخلاقي يقول الغزالي « 1 » : الناس في طلبهم السعادة قد ذهبوا مذاهب أربع :
فريق قد أثبت اللذة الحسية وطلبها ولكنه يؤمن بالحشر والنشر والجنة والنار كما نطقت به الشرائع ولكنه غافل عن سعادة آجلة من أجل لذة حاضرة ، فهو أسير شهواته عاجز عن قهرها ومن ثم فهو أضعف الخلق لأنة ضعف عن رد شهواته فهو في عناء دائم وهم مقيم إن قضى وطره يوما عجز عنه أياما ، وهو لا يخلو في قضاء الشهوات من مشاق وأخطار تنعى عليه لذته ، ذلك شقى الدنيا والآخرة باتفاق لأنه إن كان مقيما على الهوى راضيا بالشهوة فلن تصفوا له وإن أراد التخلي عنها ، ولكن نفسه قد ملكته فذلك قد أعضل داؤه فعاش بغصة الدنيا وخسران الآخرة .
وفريق ثان من الفلاسفة لا يطلب اللذة الحسية ولكنه يميّز عليها لذة العقل ، ولا يخفى ما وراء العلم والفكر من سعادة حين تنكشف له في كل لحظة مشكلات الأمور ، ثم هو في عز لا يسلبه منه أحد كما يسلب الملوك ملكهم وينزع عنهم سلطانهم ومن ثم تشوق الوزراء والولاة إلى عزكعز الفلاسفة والعلماء ، ولكن لا تكتمل إلا بالعلم والعمل ، إذ كيف يسعد أو يفوز من لا يعمل بما يعلم ، وما العمل إلا رياضة الشهوات النفسية
هامش
( 1 ) الغزالي : ميزان العمل ص 4 وما بعدها .