تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقوى ودورها في حل مشاكل الفرد والمجتمع — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦

صفة علي عليه السّلام

كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان واللّه كأحدنا : يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلّمه هيبة له ؛ فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدّين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخي الليل سدوله ، وغارت نجومه يميل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السّليم « 1 » ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا يا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليّ تغرّرت ! إليّ تشوّفت ! هيهات هيهات ، غرّي غيري ، قد بتتّك ثلاثا ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق . فوكفت « 2 » دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن عليه السّلام ! كيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ « 3 » دمعتها ، ولا يسكن حزنها . ثمّ قام فخرج « 4 » .
هامش
( 1 ) السّليم : اللديغ . يقال : سلمته الحيّة ؛ أي لدغته ( لسان العرب : 12 / 292 ) . ( 2 ) وكف الدمع : إذا تقاطر ( النهاية : 5 / 220 ) . ( 3 ) رقأ الدمع : سكن وانقطع ( النهاية 2 / 248 ) . ( 4 ) حلية الأولياء : 1 / 84 ، تاريخ دمشق : 24 / 401 و 402 ، الاستيعاب : 3 / 209 / 1875 ، المحاسن والمساوئ : وفيه « عدي بن حاتم » بدل « ضرار » ، صفة الصفوة : 1 / 133 ، الصواعق المحرقة : 131 ، تذكرة الخواصّ : 118 ، ذخائر العقبي : 178 ، الفصول المهمّة : 127 ، مروج الذهب : 2 / 433 ؛ نهج البلاغة : الحكمة 77 ، خصائص الأئمّة عليهم السّلام : 70 ، كنز الفوائد : 2 / 160 ، عدّة الداعي : 194 ، -