ب - تكوين عاطفة أخلاقية « 1 » :
معرفة الأخلاق والفضيلة عند الصادق لا تبعث على التمسك بهما ما لم تمتزج بعاطفة أخلاقية تمنحهما الحياة التي تدفع الإنسان نحو عمل الخير وتردعه عن الشر .
هذه العاطفة ، كحافز ذاتي في داخل الإنسان ، توجه إرادته وتدفعه إلى ممارسة السلوك الأخلاقي وهذا ما سعى الإمام الصادق إلى تحقيقه في نفس الإنسان المسلم ، فلم يكتف بالتوعية وحدها ، بل شفّعها بتكوين الرغبة والاستعداد الكامل في نفوس تلاميذه للالتزام بالمبادئ الأخلاقية ، وقد سلك في ذلك طرقا منها :
* التذكير بالوازع الداخلي أو الحس الأخلاقي :
« لقد خلق الخالق العظيم الإنسان « وأودع في مدارك الأفكار وفي مشاعر الوجدان الفطرية ما تدرك به فضائل الأخلاق ورذائلها ، ونستطيع أن نسمي ذلك « الحس الأخلاقي » . وهذا ما يجعل الناس يشعرون بقبح وينفرون منه ، ويشعرون بحسن العمل الحسن ويرتاحون إليه » « 2 » .
وقد وصف القرآن الكريم هذه الهداية التكوينية بأنها إلهام رباني بقوله :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 3 » . فالنفس الإنسانية منذ تكوينها وتسويتها ألهمت في فطرتها إدراك طريق فجورها وطريق تقواها ، وهذا هو الحس الفطري الذي تدرك به الخير والشر ، الذي يسمّيه علماء النفس « الضمير » .
وقد أرشدت السّنة النبوية إلى وجود هذا الحس في النفوس الإنسانية وأرشدت المسلم إلى استفتاء قلبه في حكم السلوك الذي قد تميل نفسه إلى ممارسته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، عندما سأله رجل عن البر : « استفت نفسك ، البرّ ما اطمأنّ إليه القلب ، واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس » « 4 » .
وهذا يدل على أن في النفس الإنسانية قدرة على الإحساس بالبر والإثم . وقد جمع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فضائل الأخلاق تحت عنوان ( البر ) وجمع رذائل الأخلاق تحت عنوان ( الإثم ) .
وكذلك الإمام الصادق الذي تخرّج من مدرسة جدّه ، لم يغفل عن هذا الوازع في
هامش
( 1 ) المقصود من تكوين العاطفة الأخلاقية ، تنشئة الرغبة في الفضيلة والكراهية عن الرذيلة في داخل النفس .
( 2 ) عبد الرحمن حبنكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية وأسسها ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 67 .
( 3 ) سورة الشمس ، الآية 8 .
( 4 ) أخرجه أحمد في المسند ، ج 4 ، ص 228 .