وقوله : « إلى اللّه » تحديد آخر للسخاء من التبذير ، فليس إخراج الزكاة وحده سخاء في رأي الصادق ، وإنما لا بد أن يكون للّه تعالى لا لشهرة ، ولا لمصلحة خاصة ، ولا لفساد في الأرض .
وهكذا يشير الإمام إلى دور النية والقصد في تحديد الفعل وتقويمه ؛ لأنها روح العمل . فقال ما نصّه : « النية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل » « 1 » .
فعلى أساسها تصنّف الأفعال وتوزن ، فلا عبرة بالفعل ولا قيمة له ما لم يقم على أساس قصد سليم ونية مخلصة وصادقة مهما يكن ضخما ومهمّا يبدو في وضعه المنظور خيرا وحسنا . وقد أثر عن الإمام من تفسير قول اللّه تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 2 » « ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا وإنما الإصابة خشية اللّه والنية الصادقة والحسنة » « 3 » . هذا يعني أهمية العمل تتعلق بكيفيّته أكثر مما تتعلق بكميّته ، ومن مقتضيات ذلك أنّ « تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها لا من نتائجها » « 4 » فكم من الأعمال تعجب بظاهرها والناس يعدّون فاعلها صانعا للمعروف ، في حين أن قصد فاعله تخالف الصورة الظاهرة فينقلب هذا الشكل الخير إلى الرياء الذي هو شر مهلك .
فالإمام يؤكد على أهمية النية لتحديد السلوك الأخلاقي وتمييزه عن غيره من الأفعال ، ويعلّم تلاميذه هذا الموضوع الخطير الأثر في الحياة ؛ لأنها تعبير عن الموقف الداخلي وعن التوجه الذاتي والحقيقة الباطنة للإنسان فشرح قوله تعالى :
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 5 » بأنها تعني على نيته » « 6 » .
* تبيين آثار السلوك الأخلاقي ونتائجه :
لمعرفة الفضائل الأخلاقية معرفة صحيحة ، لا بد أن تبرز ما فيها من كمال وجمال ، ولا بد أن تورث اليقين بفوائدها وثمراتها الطيبات وخيراتها الحسان المادية والمعنوية ، والدنيوية والأخروية . وكذلك معرفة الرذائل والنقائص الأخلاقية لا بد أن تبرز ما فيها من نقص وقبح ، ولا بدّ أن تورث اليقين بمضارها ونتائجها السيئة .
من هنا عرض الصادق ، في سبيل تبصير تلاميذه بالسلوكيات الأخلاقية على
هامش
( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب الإخلاص ، ح 4 .
( 2 ) سورة الملك ، جزء من الآية 2 .
( 3 ) الطباطبائي ، تفسير الميزان ، ج 10 ، ص 181 .
( 4 ) محمد قطب ، منهج التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 38 .
( 5 ) سورة الإسراء ، جزء من الآية 84 .
( 6 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 230 .