تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس تربوية من السيرة النبوية — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
أخرى . فما وهبه الباري تعالى في بعثة النبي صلّى اللّه عليه وآله للناس لم تكن بعض المفاهيم الجامدة أو طريق لا عابر ولا يمسك أحد بزمام أمور الناس فيه ، بل تحقّقت البعثة في وجود النبي العظيم صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ في أرواح ونفوس وأعمال المؤمنين بهذه الرسالة منذ الوهلة الأولى ، كما تلقّت الجاهلية الضربات منذ اللحظة الأولى . وهذه هي خصوصية بعثة الأنبياء وليست مختصة ببعثة النبيّ الخاتم صلّى اللّه عليه وآله . فالأنبياء متحرّكون ، وما يعلّمونه للناس ، يبيّنونه عمليا ، وهم أوّل من يسلك هذا الطريق . ف
يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
« 1 » ، فرع لذروة العلم والحكمة في الوجود المقدّس للنبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله و
يُزَكِّيهِمْ ،
فرع لبلوغ التزكية في ذلك الوجود المطهّر ذروتها ، وبهذه الطاقة يمكن للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله إرشاد العالم نحو التزكية ، وهذا هو الشيء الّذي يجهله زعماء مختلف المذاهب وأصحاب النظريات الفلسفية والاجتماعية السياسية المختلفة ، فأولئك يتصوّرون ويفهمون شيئا في أذهانهم ، ثم يفرضونه على الناس ، فيتعلّمه البعض والآخر لا يتعلّمه . وهذا غير طريق الأنبياء عليهم السّلام الذي هو تحرّك وإقدام وتصديق للشعارات بالعمل منذ البداية . وهو ما حدث تماما في حياة النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله ، حيث التعليم والتزكية والتحرّك في سبيل إقامة القسط منذ الوهلة الأولى ، ولهذا بدأت المواجهة والمعارضة منذ الوهلة الأولى أيضا . ومنذ أن بدأ النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله دعوته على نطاق خاص
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
« 2 » حتى دعوته العلنية ، ثم تحركّه وإقامته نظام العدالة الاجتماعية . طبعا ما نشاهده ونعبّر عنه هو الصورة الظاهرية للبعثة ، أمّا تلك الحقيقة الإلهية والملكوتية وما يقع بين البارئ المتعال والإنسان الممتاز والمصطفى فهو خارج عن إدراكنا ، ولا نفهم ما حدث ؛ لأنّ الحادث عظيم جدا وغير متصوّر لنا ، لكن كل حسب فهمه وتدبّره يفهم
هامش
( 1 ) سورة الجمعة : 2 . ( 2 ) سورة الشعراء : 214 .
دروس تربوية من السيرة النبوية — صفحة 129 | السيد الخامنئي