الحبّ على قدر توجّه نفسه وانجذاب قلبه إلى محبوبه ، فإذا انقطع عنه بغفلة قلبية فقد أعرض عن المحبوب وانقطع عن ذكره وأبطل طهارة قلبه بذلك .
حتّى أنّ الاشتغال بضروريات الحياة من أكل وشرب ونحوهما يعدّ عنده من الجرم والعصيان ، نظرا إلى أنّ أصل الفعل وإن كان من الضروري الذي يضطرّ إليه الإنسان ، لكن كلّ واحد من هذه الأفعال الاضطرارية من حيث أصله اختياري في نفسه ، والاشتغال به اشتغال بغير المحبوب وإعراض عنه اختيارا وهو الذنب ؛ ولذلك نرى أهل الوله والغرام وكذا المحزون والكئيب ومن في عداد هؤلاء يستنكفون عن الاشتغال بأكل أو شرب أو نحوهما .
وهذه المرتبة من الذنب وإن كان لا يعدّه الفهم العرفي من مراتب الذنب ، إلّا أنّه مخطئ في ذلك لا لجور منهم في الحكم والقضاء بل لقصور فهمهم عن تعقّله وتبيّن معناه والوقوف على أحكامه واستحقاقاته .
بناء على ما تقدّم فربّ مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إلى من هم في المرتبة الأولى والثانية ، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى من هو في المرتبة الثالثة ، فحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، وذلك كلّه لما أن ميّز مرتبتهم وأساسها المحبّة الإلهية دون محبّة النفس .
التوبة — صفحة 104
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٤