هذا غافِلِينَ
« 1 » .
وقال - أيضا - في الكتاب :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
« 2 » .
إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق في النفس البشريّة محكمة اسمها : الضمير أو الوجدان ، أو الفطرة ، تدرك أوّلا كثيرا من الحقائق الراجعة إلى الفضيلة والرذيلة ، ممّا يكون حسنها وقبحها أمرين واقعيين ، وغير مأخوذين من مجرّد الشهرة أو العادة أو التأديب الاجتماعي وغير ذلك ، وتؤنّب وتلوم ثانيا الإنسان لدى مخالفة تلك الحقائق ، وتحسّسه بالوخز عندها ، وتحسّسه بالرضا والارتياح لدى موافقتها .
وهذا من أعظم نعم اللّه على العباد ، ولولاه لما انفتح على البشر أيّ باب من أبواب الهداية .
وكأنّ الآيات الأربع الأولى تشير إلى هذه القوّة المودعة في النفس .
وهناك قوّة أخرى قريبة من قوّة الضمير ، قد تسمّى بالفطرة وهي لم تكن مدركاتها مباشرة عملية بمعنى الحسن والقبح أو الفضيلة والرذيلة ، ولكنّها تدرك مصدر المسؤوليّة العمدة والأساس في الإنسان ، ألا وهو اللّه سبحانه وتعالى ، أو الدين والمبدأ . وكأنّ الآيات الثلاث الأخيرة تشير إلى هذه القوّة . وهي وإن كانت في الحقيقة جزءا من قوّة العقل النظري لا العملي ، لكن لشدّة التصاقها بقوّة الضمير والعمل قد تحشر في صفّ تلك القوّة . ويسمّى الجميع بالضمير أو الوجدان تارة ، وبالفطرة أخرى .
ويحتمل كون الآيات الثلاث الأولى إشارة إلى الضمير والفطرة معا . وتشير إلى الفطرة ما ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه يهوّدانه
هامش
( 1 ) السورة 7 ، الأعراف ، الآية : 172 .
( 2 ) السورة 17 ، الإسراء ، الآية : 67 .