من رحمتي ، ويا بؤسا لمن عصاني ، ولم يراقبني » « 1 » .
وطبعا ليس تطرّق الأسباب الظاهرية ملوما عند الشرع ، بل مأمور به ، ولكن فرق بين تطرّقها اعتمادا عليها ، وتطرّقها اعتمادا وتوكّلا على بارئها ، وشتّان ما بين الروحيتين . وفي كثير من الناس قد يدور الأمر بين حالتين ، كلتاهما خاطئتان : إمّا إهمال الأسباب الظاهريّة والجلوس في البيت مثلا من دون سعي من وراء كسب الرزق بحجة أنّ اللّه هو الرزّاق ذو القوة المتين ، ولا سعي من وراء مداواة المرض ؛ لأنّ اللّه - تعالى - هو الشافي ، وما إلى ذلك ؛ وإمّا الاعتماد والاتكاء القلبي على الأسباب الظاهريّة غفلة عن أنّ مسبّب الأسباب هو اللّه تعالى . وكلتا الحالتين غير صحيحة . والصحيح هو : السعي وراء الأسباب الظاهرية مع حصر التوكّل والاعتماد في مسبّب الأسباب وهو اللّه تعالى . وتحصيل مقام كهذا من أصعب الأمور .
نعم ، لعلّه يتّفق لأولياء اللّه الكمّل أحيانا التعفّف عن السعي وراء الأسباب الظاهريّة ، بل حتّى عن الدعاء للّه اكتفاء بعلم اللّه - سبحانه - ورضا بقدره ، إلّا أنّ أمثال هذه الأمور إن كانت فإنّما هي حالات ، وليست أمورا ثابتة وقارّة . وممّا ينقل من مثل هذه الحالات ما عن سيّدنا إبراهيم على نبينا وآله وعليه الصلاة والسّلام : من أنّه لمّا رمي به إلى النار تلقّاه جبرئيل في الهواء ، فقال : « . . . هل لك من حاجة ؟ فقال : أمّا إليك فلا ، حسبي اللّه ونعم الوكيل . فاستقبله ميكائيل فقال :
إن أردت أخمدت النار فإنّ خزائن الأمطار والمياه بيدي ، فقال : لا أريد . وأتاه ملك الريح فقال : لو شئت طيّرت النار ، قال : لا أريد . فقال جبرئيل فاسأل اللّه ! فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي » « 2 » .
هامش
( 1 ) أصول الكافي 2 / 66 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفويض إلى اللّه والتوكل عليه ، الحديث 7 .
( 2 ) البحار 71 / 156 . ويمكن توجيه الرواية بأن جبرئيل وميكائيل وملك الريح لم يكونوا من الأسباب الظاهرية المادّية التي أمرنا في هذه الدنيا المادّية بالاستعانة بها في ظاهر الحال في -