الفصل الرابع عشر التبتل والانقطاع إلى اللّه تعالى
قال عزّ وجلّ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
« 1 » .
وقد فسّر التبتّل بمعنى : الانقطاع . وللانقطاع إليه سبحانه وتعالى عدّة معاني ، أو عدّة مراتب ودرجات :
الأولى : الانقطاع إليه في الخوف والأمل والرجاء ، فلا يخاف إلّا اللّه ، ولا يأمّل إلّا إيّاه ، ولا يرجو أحدا غيره .
ويدلّ على ضرورة ذلك العقل قبل النقل ؛ ذلك لعلمنا بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، وأنّ العالم أجمع جلوة من جلواته ، وأنّ ما نراه من الأسباب والمسبّبات والعلل والمعلولات إن هي إلّا تحت قبضة اللّه وإرادته ، فلو رأينا شجرة نبتت بالإعجاز دفعة واحدة في قفر يابس ، ورأينا - أيضا - في جانب آخر بستانا مليئا بالأشجار والفواكه والأوراد والغلّات على أثر الغرس والزرع والسقي قد نتعجب من الأوّل ، ولا نتعجب من الثاني ، ولكن إذا تأمّلنا لرأينا أنّ نسبة الخالق تعالى إليهما على حدّ سواء ، ودلالة كلّ شجر أو نبت على وجود اللّه الواحد الأحد كدلالة
هامش
( 1 ) السورة 73 ، المزّمّل ، الآيات : 1 - 8 .