والثاني : أن لا يأسى على ما فاته ، ولا يفرح بما أوتيه . ولا يخفى أنّ الوصول إلى هذا المقام أصعب بكثير من الزهد بمعناه القشري ، أعني : ترك المحلّلات .
ومن طريف ما ورد في المعنى الأوّل ، أعني : ترك المحرّمات والمشتبهات ما رواه هاشم بن البريد قال : « قال لي عليّ بن الحسين عليه السّلام : الزهد عشرة أجزاء ، أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا » « 1 » .
فكأنّ المقصود بقوله : ( أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ) هو : المعنى الأوّل للزهد ، أي : أنّ أدنى درجة الورع هو : أن يزهد الإنسان في المحرمات والمشتبهات .
وورد نظير هذا الحديث عن نفس الراوي أعني : هاشم بن البريد ، عن أبي جعفر عليه السّلام ، وذيله مشتمل على المعنى الثاني للزهد أيضا ، والنص ما يلي « 2 » : عن هاشم بن البريد ، عن أبي جعفر عليه السّلام « إن رجلا سأله عن الزهد فقال : الزهد عشرة أشياء ، وأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع ، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين ، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا ، ألا وإنّ الزهد في آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ :
. . . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . . »
.
ثمّ أنّه ورد عن أهل العرفان غير التابعين لأهل البيت عليهم السّلام تفسير الزهد بثلاث درجات « 3 » :
الدرجة الأولى : الزهد عن المحرمات والشبهات ، وهو زهد العامّة .
والدرجة الثانية : الزهد عمّا عدا المسكة والاكتفاء بقدر الاضطرار .
هامش
( 1 ) الكافي 2 / 62 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرضا ، الحديث 10 .
( 2 ) راجع البحار 70 / 310 الحديث 5 .
( 3 ) راجع شرح منازل السائرين للتلمساني : 140 - 143 ، وشرحه أيضا للكاشاني :
53 - 54 .