وإنّما قرب العبد من اللّه بقرب الصفات لا بقرب المكان ، ولكنّا لا نسمّي صاحب هذه الحالة غنيّا ، بل مستغنيا ؛ ليبقى الغنيّ اسما لمن له الغنى المطلق عن كلّ شيء ، وهو : اللّه سبحانه . وأمّا هذا العبد وإن استغنى عن المال وجودا وعدما ، فلم يستغن عن أشياء أخر سواه ، ولم يستغن عن مدد توفيق اللّه له ليبقى استغناؤه الذي زيّن اللّه به قلبه ، فإنّ القلب المقيد بحبّ المال رقّ ، والمستغني عنه حرّ ، واللّه تعالى هو الذي أعتقه من هذا الرقّ ، فهو محتاج إلى دوام هذا العتق ، والقلوب متقلّبة بين الرّقّ والحرّية في أوقات متقاربة ؛ لأنّها بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فلذلك لم يكن اسم الغني مطلقا عليه مع هذا الكمال إلّا مجازا .
واعلم أنّ الزهد درجة هي كمال الأبرار ، ولكنّ صاحب هذه الحالة التي هي فوق الزهد من المقرّبين ، فلا جرم صار الزهد في حقّه نقصانا ؛ إذ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ؛ وهذا لأنّ الكاره في الدنيا مشغول بالدنيا ، كما أنّ الراغب فيها مشغول بها . والشغل بما سوى اللّه حجاب عن اللّه تعالى ؛ إذ لا بعد بينك وبين اللّه حتّى يكون البعد حجابا ، فإنّه أقرب إليك من حبل الوريد ، وليس هو في مكان حتّى تكون السماوات والأرض حجابا بينك وبينه ، فإنّه أقرب إليك منك ، فلا حجاب بينك وبينه إلّا شغلك بغيره ، وشغلك بنفسك وشهواتك شغل بغيره ، وأنت لا تزال مشغولا بنفسك وبشهوات نفسك ، فلذلك لا تزال محجوبا عنه ، فالمشغول بحبّ نفسه مشغول عن اللّه ، والمشغول ببغض نفسه - أيضا - مشغول عن اللّه ، بل كلّ ما سوى اللّه مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق ، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حالة اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذّذ بمشاهدة معشوقه ، ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ، ولم يلتفت إليه ، فكما أنّ النظر إلى غير المعشوق لحبّه عند حضور المعشوق شرك في العشق ونقص فيه ، فكذا النظر إلى غيره لبغضه شرك فيه ونقص ، ولكن أحدهما أخفّ من الآخر ، بل الكمال في أن
تزكية النفس — صفحة 338
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٣٨