وليس علاجها بترك البكاء أو ترك الطاعة أو العبادة ، فإنّ ذلك إعانة للشيطان على هدفه ، بل علاجها يكون بمزيد من الالتفات والتيقّظ ، وبمعرفة حرمة ما تصنعه - عادة - الصوفية من التقوقع على الذات والتقاعس عن خدمة الإسلام والمسلمين بحجّة العبادة أو تربية النفس ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، وكذلك يكون العلاج بتعويد النفس على خلاف هذه الآفة .
3 - والآفة الثالثة هي التي قد تختص بالبكاء ، ولا تترتّب على سائر العبادات والطاعات ، وهي : أنّ البكاء من طبيعته أنّه يبرّد القلب ، وينفّس عن الإنسان ، ولهذا قد يؤمر المصاب بفقد عزيز من أعزائه مثلا بالبكاء على فقيده ؛ وذلك لكي ينفّس عن نفسه ويخفّف ألم المصيبة ، فقد يتّفق أنّ الإنسان المؤمن حينما برّد قلبه بالبكاء ونفّس عن لوعته الإيمانية بذلك يبرد عمّا عليه من أداء الوظائف الاجتماعيّة أيضا ، ويترك ما عليه من التضحيات أو الاهتمامات التي تحتاج إلى بذل المال تارة ، أو بذل النفس أخرى ، أو بذل الراحة ثالثة وما إلى ذلك ، فيبتعد بذلك عن اللّه تعالى بدلا عن الاقتراب إليه سبحانه .
فهذه الآفة - أيضا - بحاجة إلى مزيد من اليقظة ومراقبة النفس ومحاسبتها ؛ كي لا يتورّط الإنسان المؤمن في هذه المصيدة الشيطانية .
والواقع : أنّ الشيطان يدخل مع كلّ إنسان المدخل المناسب له في إغوائه ، فليس يقدر مع كلّ أحد على إغرائه بالخمور أو الفساد الجنسي أو ما إلى ذلك ، لأنّ الشخص ربّما لا تكون هوايته إلّا في العبادة والطاعة ، فيدخل معه نفس المدخل ، ويفسد عبادته بالعجب أو الرياء ، أو يجعلها سببا لانكماشه عن أداء الوظائف الاجتماعيّة ، وابتعاده عن خدمة الأهداف الإسلاميّة أو ما إلى ذلك . فهلمّ إلى التيقّظ الكامل ، ومراقبة النفس الدقيقة ، ومحاسبتها قبل أن تحاسب يوم القيامة من لدن الناقد البصير .
تزكية النفس — صفحة 302
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٠٢