قلبه ، أوسع شيء صدرا ، وأذلّ شيء نفسا ، يكره الرفعة ، ويشنأ السمعة ، طويل غمّه ، بعيد همّه ، كثير صمته ، مشغول وقته ، شكور ، صبور ، مغمور بفكرته ، ضنين بخلّته ، سهل الخليقة ، ليّن العريكة ، نفسه أصلب من الصلد ، وهو أذلّ من العبد » « 1 » .
قوله عليه السّلام : « المؤمن بشره في وجهه ، وحزنه في قلبه » إنّ هاتين الصفتين تكاسر إحداهما الأخرى ، وترفع الآثار السيّئة عنها ، فإنّ الحزن وحده يؤدّي إلى الانكماش عن المجتمع وعن الأعمال الاجتماعيّة ، كما أنّ البشر لو كان وحده يؤدّي إلى البطالة والبطر ، ولكن متى ما اجتمع الحزن الإلهي في القلب مع البشر المأمور به المؤمن أمام الناس ، يتم الإعتدال ، وتكون كلّ من الصفتين كمالا محضا ، ونافعا له ولمجتمعه ولدينه ودنياه وآخرته .
قوله عليه السّلام : « أوسع شيء صدرا وأذلّ شيء نفسا » حينما يصبح الإنسان واسع الصدر - وسعة الصدر آلة الرئاسة - قد يأخذه الغرور بسبب نجاحه في الأمور وقدرته على حلّ المشاكل بسعة الصدر ، ولكن يعالج ذلك وصفه الآخر ، وهو : أنّه « أذل شيء نفسا » فهو دائما يلحظ نقائص نفسه ، ويذلّ نفسه أمام قلبه ، ويؤنّبها على أخطائها ، وهذا يمنع عن بروز تلك الحال ، ويؤدّي إلى الاعتدال المطلوب .
قوله عليه السّلام : « ضنين بخلّته » يحتمل في كلمة ( الخلّة ) فتح الخاء وضمها « 2 » فعلى الفتح تكون بمعنى الفقر والحاجة ، ويكون المعنى : أنّ المؤمن يبخل بعرض حاجته على الناس ، فلا يمدّ يد الحاجة إليهم . وعلى الضمّ يكون معناها : من الإخلاص والصداقة . وعلى هذا المعنى فسّره ابن أبي الحديد بمعنى كونه قليل المخالطة والتوفّر على العزلة .
أقول : إنّ هذا شأن العرفان الكاذب ، بل الأولى أن يكون المقصود على هذا
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 724 ، رقم الحكمة : 333 .
( 2 ) راجع مجمع البحرين 5 / 365 .