وتكتسب هذه الاستقلالية أيضا الأخلاق . كما يكتسبها العلم والفن . لأن قضية العلاقة بين العلم والأخلاق قد ظهرت قبل كل شيء ، بوصفها مشكلة السلوك الأخلاقي في نطاق النشاط العلمي ، فعلى الباحث العلمي أن يحترم المتقدمين عليه ، وأن يفسح الطريق أمام الجيل اللاحق ، كما يجب عليه الالتزام بالوصايا الأخلاقية الأخرى المعروفة منذ القدم . إن دائرة هذه المشاكل واسعة إلى حد لا بأس به ، وهي اليوم لم تفقد أهميتها السابقة بل على العكس ، تعززت هذه الأهمية في ظروف النهوض العلمي . « 1 » .
ففي إطار التبعية الاجتماعية الاقتصادية العامة للأخلاق ، تؤثر فيها أيضا توجهاتها الخاصة ، وهي تقطع مراحل خاصة في التطور وتؤثر بدورها تأثيرا معاكسا على حركة الإنتاج .
فلم يستنتج من ذلك فقط الأخلاق من الظروف الاجتماعية وفي تشكل العلاقات الاجتماعية الجديدة التي ما زالت الآن في طور تكونها . وقد قام أحد الباحثين بتنبؤ علمي ساطع حول مضمون الأخلاق الإنسانية المقبلة ، فلقد استنتج المثل الأخلاقي للمجتمع والإنسان من التاريخ نفسه ، وربطه فيما بعد بوصفه موجها قيميا بالمصالح الموضوعية للشعوب ، وطرح القضايا الهامة لدور الأخلاق في توجيه الفاعلية للناس ، مبدعي التاريخ ، وتلاؤم الوجود الأخلاقي مع الحركة الصاعدة للبشرية » « 2 » .
تستطيع الأخلاق إما تسريع مجرى التطور الاجتماعي أو عرقلته .
فالأخلاق المتقدمة تستوعب في ذاتها تبدل الأمزجة والمشاعر السلمية لتلك القوى الاجتماعية التي تقود المجتمع إلى الأمام ، باعتبارها مبشرا بتغيرات قريبة في حياة الناس ، وليس نادرا أن تشعر الأخلاق بالدوي الباطني للتاريخ ، على الرغم من أنها تنظمه تنظيما انفعاليا عاطفيا يعبر عن أوامر جديدة أخلاقية ، فهي لا تنظمه تنظيما نظريا واعيا .
هامش
( 1 ) أرسيني غوليكا ، الفن في عصر العلم ص 244 .
( 2 ) بلوندل ، المعرفة والأخلاق ، بيتربورغ 1987 ص 57 .