تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وتصادفنا هنا أيضا خاصية أخرى للأخلاق ، طابعها الأمر الذي يكتسب أهمية النابض الداخلي للفاعلية التاريخية للشخصية وإبداعها الاجتماعي . طبعا لم تنحل أهمية الأخلاق أبدا إلى بحث أخلاقي للشخصية الثابتة كما يزعم أحمد أمين في « كتابه الأخلاق » إذ يقول : أن القوانين الوضعية قابلة للتغير ، وضعت لقوم في أحوال خاصة ، فإذا تغيرت تلك الأحوال تغير القانون ، وإننا نرى الحكومة من حين لآخر تعمد إلى بعض القوانين فتغيرها ، لأن أحوال الناس اقتضت ذلك ، أما القوانين الأخلاقية فثابتة لا تتغير ، وإنما يتغير رأي الناس فيها » « 1 » . إنه تناسب التاريخ إذ أن مصائر الحياة الأخلاقية للشخصية الإنسانية لا تنفصل عن مصائر المجتمع لأن الظروف تخلق الناس بنفس القدر الذي يخلق فيه الناس الظروف . ولذلك يمكن القول أن الأخلاق تعتبر لحظة داخلية في التطور الذاتي للتاريخ البشري ببروزها كدافع يحفز بقوة نشاط مبدعة الحقيقي الإنسان . إن أي استخفاف وباللحظة الذاتية للشخصية في الأخلاق يعني تخديرها وتحويلها إلى مجرد إعلان فارغ ، فعند ما يستوعب الأفراد القيم التي وضعت للعلاقات الاجتماعية على أنها انجازات شخصية لهم ، تصبح تلك القيم حوافز أخلاقية ونواظم للفاعلية البشرية ، ولا يمكن أبدا استبدال هذه الخاصة النفسية لتوظّف الأخلاق - جانبها الشخصي المألوف - لا بالنفوذ ولا بالتفسير ، ورغم أن من غير الممكن استنتاج الأخلاق من الذات المجردة كما نلاحظ ذلك في كتاب زكريا إبراهيم المعنون « بالمشكلة الأخلاقية » ، إذ يقول : « ولكن من المؤكد أن الأخلاق هي القوة الروحية الكبرى التي استطاعت أن تعلو بالإنسانية إلى مستوى أرقى بكثير من كل ما كانت تتمتع به في ظل التلقائية المحضة أو الطبيعية الخالصة » « 2 » . إذا الأخلاق في حقيقة أمرها مشروطة موضوعيا ، ولمضمونها مغزى موضوعيا اجتماعيا وتاريخيا . وهي نفسها تعتبر ميدانا لدافع ذاتي داخلي للإنسان لتنفيذ رغباته
هامش
( 1 ) أحمد أمين ، الأخلاق ص 156 . ( 2 ) زكريا إبراهيم ، المشكلة الأخلاقية ص 302 .
البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 38 | محمد الجبر