« لا يتعرف سبينوزا مطلقا على الله . . . فهو ملحد لأنه لا يعترف بالعناية الإلهية ولا يقبل إلا بأزلية وامتدادية وضرورة الأشياء . . . إنه يقلب كل أسس الأخلاق » « 1 » فهم جيدا معاصر وسبينوزا البعد الثوري لأفكاره ، فحرمه اليهود وطعنوه بخنجر ، ومنعه اتباع كالفن
( Calvin )
من الإقامة في امستردام ولعنته الكنيسة الكاثوليكية .
كان أول مسعى لسبينوزا ، إبعاد الوهم عن مفهوم حرية الإرادة :
« يعتقد الناس أنهم أحرار فقط بسبب اعتقادهم أنهم مدركون لأفعالهم وجاهلون لمقدورهم » « 2 » .
وأبعد مفهومي العناية الإلهية والغائية الميتافيزيقيين :
لا تتصرف الطبيعة لغاية . يتصرف الأزلي وغير المنتهي الذي نسميه الطبيعة أو الله وفق ضرورة وجوده . كما أبعد أيضا ازدواجية الخير والشر .
« أبين لكم كيف نشأت من فكرة الغائية الآراء المتعلقة بالخير والشر ، بالمديح والذم ، بالنظام والفوضى ، بالجمال والقبح وأشياء أخرى من نفس النوع » « 3 » تقتضى المرحلة الأولى لكل علمية نبذ الأوهام الدينية والمثالية وبذلك لا يعود الإنسان قزما ولا خارقا ، فليقتنع بأننا جزء من الطبيعة الكاملة ونتبع نظامها . . .
تتماشى هذه الأخلاق مع الأمنية العميقة في حياة حرة وقوية وسعيدة . الفرح والحزن عاطفتان تزيدان أو تقللان من الطاقة والجهد الكامنين في كل كائن على حد تعبير اسبينوزا .
لا يلزم التضحية بطاقاتنا وبفرحنا ، أو بكل ما هو إنساني فينا لنرتفع إلى أعلى درجات الأخلاق :
« أفهم من كلمة خير كل ألوان الفرح ، أو كل ما يؤدي إليه . . . ومن كلمة شر كل صورة الحزن ، أو كل شيء آخر يؤدي إليه . . . » ليس الفرح سوى إدراك طاقتنا
هامش
( 1 ) فولتير ، الرسائل الفلسفية ص 85 .
( 2 ) فارياش - تاريخ الفلسفة الحديثة ص 167 .
( 3 ) نفس المصدر ص 155 .