وتأكيد المعتزلة هذا يظهر في المقولة الثالية :
فهناك القبائح الظاهرة المعروفة والنهي عنها واجب على كل إنسان ، وأما ما يحتاج إلى قتال فإنما يقوم به من في استطاعته القتال والإعداد له ، كالإمام وولاته ، فهو أعلم بالسياسة ومعهم عونها وعدتها .
من خلال هذا المبدأ العملي ، يمكن أن يقال أن المعتزلة قد عاشوا مبادئهم فحاربوا الزندقة والتحلل . ولكن يؤخذ عليهم حين دانت الدولة بمبادئهم أنهم لم يفرقوا بين درء المنكر من تهتك وفجور وبين اضطهاد المخالفين في الرأي . فكان لبطشهم شهداء ومضطهدون أثاروا عطف الناس وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ، ومن ثم لحقتهم وصمة التعصب ، وكان أجدر بهم باعتبارهم عقليين أحرارا أن يكونوا رواد حقيقة ودعاة أخلاق ؛ أما إذا كانت الأخلاق علما عمليا فلا يكفي فيما يتصل بالفضيلة أن نعمل حقيقتها ، إنما أن نروّض أنفسنا على اتباعها ، لكن هل النزعة العملية تصلح كباعث كاف لممارس الفضيلة ؟ فالمعتزلة يقولون لا شك أنه لا بد أن يفسح للعقل مكانة تليق به في مجال الأخلاق ، ولكن هل الإقناع كاف للعمل ، وهل الفكرة ملزمة للإرادة ؟ إنه مهما اكتسبت الأفكار من حق فإنه ليس في وسعها أن تنطوي على لزوم تحقيقها ، ذلك الإلزام الخلقي لا يمكن أن يشتق من مجرد الفكرة المحضة . وهذا ما أكده برجسون « 1 » في الحقيقة إننا نعجب بالفلسفة الخلقية القائمة على أسس عقلية بعيدة عن التيار التاريخي الزمني الذي كان لا بد أن توجد المعايير الأخلاقي في صيرورة التاريخ الإنساني ، وعبر التطور الاجتماعي والثقافي للمجتمع .
هامش
( 1 ) برغسون ، منبعا الأخلاق والدين ، ص 95 .