تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
بل بالعكس : عرفان الجميل ضرورة مباشرة يفرضها القانون الأخلاقي ، أعني الواجب . بل أكثر من هذا : ينبغي أن نعد عرفان الجميل واجبا مقدسا ، أي واجبا يمكن أن يؤدي انتهاكه إلى القضاء على الدافع الأخلاقي للإحسان في مبدئه ذاته . لا توجد وسيلة لرد الجميل ، لأن من يتلقى النعمة لا يمكن أن يعوّض امتياز الفضل الذي اكتسبه من أسدى النعمة ، وهو أنه كان السابق بالإحسان . أما المدى الذي يمتد إليه عرفان الجميل فلا يقتصر على المعاصرين ، بل يشمل أيضا الأجداد والأسلاف حتى أولئك الذين لا نستطيع ان نحددهم على الحقيقة بيقين . وهذا هو السبب الذي من أجله يعد من غير اللائق ألا ندافع ، قدر الطاقة ، عن القدماء الذين يمكن أن يعدّوا معلّمين لنا ، ضد كل ألوان الهجوم والاتهام والازدراء التي توجه ضدهم . وفي مقابل ذلك ، فإن من الخطأ أيضا أن نرفعهم - بسبب قدمهم - فوق مستوى المحدثين والمعاصرين فيما يتعلق بالعبقرية والإرادة الخيّرة ، وأن نزدري كل ما هو جديد ، وكأن العالم يبتعد كل يوم شيئا فشيئا عن كماله الأصلي وفقا لقوانين الطبيعة . أما من حيث الشدّة ، أي درجة الالتزام الخاصة بهذه الفضيلة ، فينبغي تقديرها تبعا للفائدة التي نالها المنعم عليه ممن أنعم ، ووفقا للنزاهة من الغرض التي شاعت في إنعامه بما به أنعم . وأقل درجة في هذا المجال هي أن نرد للمنعم بخدمات مماثلة تماما ، إن كان لا يزال حيا يستطيع قبولها ، أو إلى آخرين إن كان المنعم الأصلي غير موجود أو لا يستطيع . كذلك من هذا القبيل أيضا - أي أقل درجة - أن نعد النعمة المتلقاة عبئا نود التخلص منه ، بل على العكس نقبل فرصة عرفان الجميل على أنها نعمة أخلاقية ، أي إمكانية معطاة لممارسة هذه الفضيلة التي تربط عمق النية المحسنة برقة الاحسان ، مما يتولد عنه تنمية حبّ الإنسانية .
الأخلاق عند كنت — صفحة 210 | عبد الرحمن بدوي