أما أن هذا القانون بوجه عام موجود في العقل فهذا ما لا يتضح من تلقاء ذاته ؛ بل على العكس يبدو أن القاعدة الأكثر طبيعية هي : « كلّ لنفسه واللّه للجميع » .
لكن واجب كل انسان أن يكون محسنا ، أي أن يساعد البائسين على التخلص من بؤسهم بما لديه من وسائل ، دون أن يرجو من وراء ذلك شيئا .
ذلك أن كل بائس يرجّي أن يساعده الناس . لكن إذا أعلن أن قاعدته هي أنه لا يرغب بدوره في مساعدة الآخرين حين يكونون بائسين أي إذا جعل من قاعدته هذه قانونا كليا للترخّص ، فإنه إذا فرض أنه في شقاء ، فلا أحد سيساعده ، أو على الأقل يحق لكل إنسان أن يحرمه من مساعدته . وهكذا إذا صارت قاعدة المصلحة الشخصية قانونا كليا فإنها ستناقض نفسها بنفسها ، أي أنها ستتنافى مع الواجب . ولهذا فإن قاعدة المصلحة المشتركة التي تقوم في الإحسان إلى البائسين هي واجب كلي على الناس جميعا ، وذلك لأن الناس بوصفهم ناسا يجب أن يعتبروا كائنات عاقلة محتاجة جمعتهم الطبيعة في مسكن واحد ( الأرض ) ابتغاء أن يساعد بعضهم بعضا على التبادل .
والاحسان ينبغي ألا يعده الثريّ ( والثراء معناه أن يملك المرء ما يزيد على حاجته من الوسائل التي من شأنها أن تجعل الغير سعيدا ) واجبا يترتب عليه فضل على الغير والتزام ، أن ما يستشعره من رضا عن هذا الطريق دون أن يكلّفه أية تضحية هو طريقة للانتشاء بالعواطف الأخلاقية . ولهذا يجب عليه أن يتجنب أن يبدو أنه يتفضّل على الغير ويلزمه ، وإلّا لما كان ذلك احسانا بالمعنى الصحيح لأنه إنما يعبر بهذا عن ارادته في أن يفرض التزاما من شأنه أن يحط قدر الغير في نظره . بل عليه أن يبدو وقد ناله شرف قبول الغير لاحسانه . والأفضل له أن يفعل الاحسان سرّا تماما .
وتزداد هذه الفضيلة قدرا حين تكون وسائل المحسن محدودة ويستشعر في ذاته من القوة على أن يحتمل صامتا المصائب التي يجنّب الآخرين منها . هنالك يمكن أن يعدّ غنيّا من الناحية الأخلاقية .
الأخلاق عند كنت — صفحة 208
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٢٠٨