إذا ثبت أن ثمّ جريمة ارتكبناها ضد أنفسنا أو ضد غيرنا بواسطة أنفسنا ( مثل أن تقتل المرأة الحبلى نفسها ) .
والانتحار جريمة قتل . ويمكن أيضا أن يعدّ انتهاكا لواجب الانسان نحو الناس الآخرين ( مثل واجب الأزواج بعضهم نحو بعض ، أو الآباء نحو الأبناء ، أو الرعية نحو الراعي ، أو نحو مواطنيه ، أو انتهاك واجب الانسان نحو اللّه ، باعتبار المنتحر قد تخلّى عن الموقع الذي وضعه اللّه فيه ) .
وانما السؤال هو : هل الانتحار انتهاك لواجب الانسان نحو ذاته ؟ وهل الانسان ملزم بالمحافظة على حياته لأنه شخص ، وهل عليه لهذا أن يقرّ بأن المحافظة على شخصه واجب عليه نحو ذاته ؟
أما أن يهين الانسان نفسه بنفسه - فهذا يبدو أنه غير معقول . ولهذا فإن الحكيم الرواقي كان يرى الفضل أن يقدر على التخلص من الحياة كما يشاء وكأنه يخرج من غرقة معبّأة بالدخان ، وبنفس هادئة مطمئنة ، دون أن يرغمه على ذلك أي ضرر حاضر أو قادم ، وإنما فقط لأنه شعر بأنه لم يعد لبقائه فائدة - .
ويجيب كنت بأن هذه الشجاعة وقوة النفس اللتين تمكّنان من عدم الخوف من الموت ومن معرفة شيء أثمن من الحياة كان الأحرى بهما أن يكوّنا دافعا قويا بنفس الدرجة على عدم القضاء على الحياة ما دام هو كائنا مزوّدا بقوة عظيمة تسمو على أقوى الميول الحسّية ، وبالتالي ألا يقضي على حياة - وليس للإنسان أن يتخلى عن شخصيته طالما وجدت له واجبات ، أي طالما كان حيا .
ومن التناقض أن نقرّ له بحق التحلل من كل التزام ، أي بأن يفعل كما لو لم يكن في حاجة إلى أيّ نوع من الحق . وإن قضاءه في شخصه على الذات الفاعلة للأخلاقية معناه أن يطرد من العالم ، بقدر ما يتوقف الأمر عليه ، الأخلاقية في وجوده هو ، بينما هو غاية في ذاته ؛ ولهذا فإن تصرّفه في ذاته من أجل غاية معيّنة وكأنها مجرد وسيلة - يعني الحط من قدر الانسانية في شخصه
الأخلاق عند كنت — صفحة 184
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص١٨٤