أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول اللّه ، موقنا ، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من قوله ، وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقة ، فما حقيقة يقينك ؟
فقال : إنّ يقيني يا رسول اللّه ، هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون ، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأصحابه : هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان . ثمّ قال له : الزم ما أنت عليه ، فقال الشابّ : ادع اللّه لي يا رسول اللّه ، أن أرزق الشهادة معك ، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر . « 1 »
أقول :
بمدلوله ح 3 : واسم الشابّ فيه : حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاريّ .
وفيه فقال صلّى اللّه عليه وآله : اللهمّ ارزق حارثة الشهادة ، فلم يلبث إلّا أيّاما حتّى بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سريّة فبعثه فيها ، فقاتل فقتل تسعة - أو ثمانية - ثمّ قتل .
وفي رواية القاسم بن بريد عن أبي بصير : استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر وكان هو العاشر .
بيان : والعجب انكار الحديث ورميه إلى المتصوّفة ممّن لا يعبأ بهم ! نعم ، إنّ الناس أعداء ما جهلوا .
« يخفق » : أي ينعس . « يهوي برأسه » : ينحطّ رأسه للنعاس . « فعزفت » : عزفت نفسي عنه أي زهدت فيه . « مصطرخون » الاصطراخ : الاستغاثة .
هامش
( 1 ) - الكافي ج 2 ص 44 باب حقيقة الإيمان ح 2