تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية في الأخلاق العملية — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وقال الإمام السجاد عليه السّلام : « مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم براعي إبل فبعث يستسقيه فقال : أمّا ما في ضروعها فصبوح الحيّ وأما في آنيتنا فغبوقهم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : اللهمّ أكثر ماله وولده ، ثمّ مرّ براعي غنم فبعث اليه يستسقيه فحلب ما في ضروعها وأكفأ ما في انائه في اناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعث اليه بشاة وقال : هذا ما عندنا وإن أحببت أن نزيدك زدناك ، قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : اللهمّ ارزقه الكفاف . فقال له بعض
هامش
جانبي أحد الاخوة في الاسلام ، فكان يعبّر عن استيائه من ذلك ويكذّبني فيما يشبه الهمس ، ثم بلغ عنده الغضب ذروته حين استمراري في الدعاء فقال لي بعصبية : هل أنت صادق في ما تقول ؟ وهل تقوم بهذه المزاعم الكبرى ؟ ! ليس بمقدور حتى من هو أكبر منك ان يزعم هذه المزاعم . فلما ذا تكذب مثل هذه الأكاذيب في محضر الامام ؟ وشعرت بالدهشة وأنا في تلك الحال التي كانت لي أثناء الزيارة ، ولم ادر بما ذا أجيبه ؟ فقد كان كلامه صحيحا ، إذ انّ ادعاءاتي كانت كبيرة جدا ، غير انّ هذه الزيارة تعدّ من الزيارات المعتبرة المأثورة ، وأوصى أئمة الدين بقراءتها في جميع العتبات المقدسة . وانقدح في ذهني فجأة جواب استلهمته من الإمام الحسين ( ع ) فقلت له : انّ هذه الكلمات وان كانت في صيغة الإخبار إلّا انها في الحقيقة من مقولة الانشاء . فحينما أقول هذه الكلمات لا اقصد انني هكذا وانما يجب ان أكون هكذا . ثم أقبلت على الزيارة ثانية ولم يقل صاحبي بعد ذلك شيئا ، ويبدو انه أدرك بعد توضيحي انّ هؤلاء الزائرين لا يمكن ان يكونوا كاذبين جميعا . وهكذا ندرك كيف كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( ع ) يبلغ رسائله إلى شيعته ومواليه عن طريق الدعاء ، وندرك أيضا لماذا نكرر قراءة سورة الفاتحة في كل صلاة لا سيما عبارةإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،فإذا كان تكرار هذه الجملة من سورة الفاتحة على سبيل الاخبار وشرح الحال ، فسيصدق الكذب على أغلب الافراد . فمن بمقدوره ان يدعي انه يعبد اللّه وحده ولا يستعين بغيره ؟ اذن لا بد أن تكون هناك رسالة في قالب الاخبار ، وهذه الرسالة ذات طابع انشائي وايجابي ، وهي : أيها المصلي ! لا بد أن تكون هكذا ، وعليك ان تسعى للوصول إلى هذه الدرجة من العبودية . وعلى هذا الضوء ، فحينما يدعو الرسول ( ص ) : « اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن احبّ محمدا وآل محمد العفاف والكفاف » ، فهي تحمل لأحباء محمد وآل محمد رسالة تقول : أيها المؤمنون ! انّ ما هو مهم لديّ روح الاستغناء لا مال الدنيا وحطامها ، ولكن ليس لأنّ مال الدنيا قبيح بل لأن الذي يحظى بالقيمة هو استغناء الروح ، كي يصبح بمقدور المرء ان يطلب باعتزاز كلّ شيء للّه تعالى ويضحي بكل شيء من أجله ، حيث قال :الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا( الكهف / 46 ) .
البداية في الأخلاق العملية — صفحة 446 | الشيخ محمد رضا مهدوي كني