فما أسوأ حال العبد إذا نسيه اللّه وتركه لحاله . ولا شك في انّ شخصا كهذا لا بد أن يقع فريسة للشياطين .
من ينس اللّه لا بد وأن يغترب عن نفسه ، ويفقد شخصيته الانسانية العليا ، وقد قال اللّه تعالى في ذلك :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ . . .
« 1 » .
يقال إن زليخا حينما دعت يوسف إليها ، وقعت عينها على صنم كان في تلك الحجرة ، فنهضت فورا وأسدلت عليه ستارا . فقال لها يوسف : إذا كنت تخجلين من مراقبة الجماد ، فكيف لا أخجل من مراقبة اللّه الجبار ؟ « 2 » .
وهكذا لا بد لنا أن نراقب أعمالنا دائما ونجتهد في السير في الحياة بحذر ، لأنّ المراقبة والحذر يحولان دون غفلة الانسان ووقوعه في الخطأ . فمثلما نحرص على أمور الدنيا ونراعي الدقة والاحتياط ، لا بد لنا من الحرص على أمور الآخرة ومراعاة الدقة والاحتياط فيها ، وأن نضع البارئ تعالى نصب أعيننا دائما .
لا بد لنا ان نعلم بأنّ المراقبة لها درجات تعتمد على درجات معرفة السالك ورياضته ، وأولى هذه الدرجات هي مراقبة المتقين وأعلاها مراقبة المقربين .
فالانسان بمقدوره ان يبلغ مقام القرب بواسطة الرياضة والمجاهدة والمراقبة ، فيستغرق في جمال ذي الجلال ونوره البهي ، وحينئذ سينعكس الأمر تماما ، إذ سيراقب اللّه تعالى عبده ويحرسه ويحافظ عليه ، كما جاء بشأن يوسف :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . . .
« 3 » .
فزليخا التي هامت في يوسف ، لم تتراجع عنه رغم جواب الرفض الذي سمعته منه ، وظلت مصرة على الوصال ، ولولا لطف اللّه الخاص وبرهانه الواضح الذي كان يحرس يوسف ، كان من الطبيعي ان يميل يوسف إليها أيضا . فاللّه تعالى ومن
هامش
( 1 ) الحشر / 19 .
( 2 ) جامع السعادات ، ج 3 ، ص 96 .
( 3 ) يوسف / 24 .