تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ولهذا نقول : إنّ سعادة مستقبلنا ترتبط ارتباطا وثيقا بموضوع المعاشرة ومعرفة حدودها ، فبالإفادة من الاتصالات المفيدة اليوم تتوفّر الاستقلالية للشخص غدا ، علينا أن ندرك الحاجة الروحية إلى الصداقة ، ثم ندوّن وننفّذ ما لنا من برامج على أساس مقتضيات الصداقة . يرى بعض العلماء أنّ التقليد جزء من فطرة الإنسان ، وهذا أمر غير محسوس في الظاهر بحيث لا يمكن الاطّلاع على أثره العميق والعجيب بسهولة ، وإنّ وجود الكيفيّات المختلفة لأنواع التقليد يدلّ على أنّ الإنسان يتأثر بالتقليد في سلوكه وشعوره وقراراته ، وحتى في الحكم والقضاء وإبداء الرأي ، وأنّه يصبّ نفسه حسب وضعه الذي هو عليه في قوالب الأصول والقواعد التي هي الجماعة التي ينتمي هو إليها ، وللآخرين فيه من الأثر بنسبة سلطتهم التربوية عليه . نعم كلّما كان الشخص مربّى بتربية عالية ، وكان ذكيّا حاضر الذهن ، فإنّ مقدارا من استقلاله الفكريّ سيتأثر بين المجتمع ، ويقع تحت تأثير السلطة النفسية لآراء الأكثرية وضغط الرأي العام ، طبيعي أن من فيه نقائص نفسية أكثر فإنّ قوة أفكارهم أقل وتأثرهم بأفكار الآخرين أشدّ وأكثر . ويرى بعض علماء النفس أنّ التقليد إنّما يتحقق في الإنسان فيما إذا كان ذلك يورثه سكون النفس ويتصوّر أنّ عمله هذا ممّا يؤيّده الآخرون ، أو أن هذا هو سبب توفيق غيره . فمثلا : تقليد الأبطال أو تقليد الصغار من الكبار إنّما يحدث لذلك ، وحتى في الحيوانات إنّما يحدث التقليد فيهم بشروط خاصة ، فإنّما يقلّد الحيوان فيما إذا كان يصل من خلال ذلك إلى شيء يشتهيه ويريده . يقول ( براون ) : « إنّما يقلّد البشر فيما إذا كان هذا العمل يساعدهم على الوصول إلى أهداف نفسية ، وبعبارة أخرى فإنّ هناك كيفيات خاصة لقوى نفسية خفيّة تبعث الإنسان على التقليد ، لا أن هناك قوة باسم التقليد توجد تلك الأهداف