الحوادث فجأة ومن حيث لا يحتسب ، وأن تدفع الناس إلى حركة ونشاط غريبين ، إنّ صرامة هؤلاء الرجال في تقدّمهم نحو أهدافهم تذيب جبال المشاكل في طريقهم ، وكأنّهم قد أودعت فيهم قطع من الحديد والفولاذ ، وكأنّ نجدتهم وسرعة إقدامهم تنقذهم من الأزمات الخطيرة جدّا ، بينما كان من الممكن أن يكون أقلّ تأمّل وترديد يؤدّي بهم وبمن معهم إلى الهلاك والدّمار .
في فتح الأندلس من بلاد إسپانيا كانت القيادة العامة للقوات الإسلامية لجبهة إفريقيا - مع « موسى بن نصير » فوجّه جيشا صغيرا مع مولاه « طارق بن زياد » لفتح الأندلس من إسپانيا ، فلما وصل طارق مع قواته القليلة إلى المحل الموعود وفتّش عن مواضع العدّو وأوضاعهم وأحوالهم فرأى الوضع مناسبا للهجوم عليهم ، وفكّر أنّه لو أراد أن يبلّغ ذلك إلى مولاه موسى بن نصير وينتظر أمره ربّما ينتبه العدوّ للشرّ ويستعد للمواجهة ، ولذلك صمّم على الهجوم .
ومن أجل قطع أعين جنوده عن الرجوع أمر أن يحرقوا جميع سفنهم التي عبروا بها ، فلما احترقت انعدم أمل العودة فيهم ، وحينما اعترض عليه بعضهم قال في جوابهم : ليس المسلم طيرا يأوي إلى وكره ! ثم قام في سفح الجبل المعروف اليوم باسمه « جبل الطارق » وألقى خطابا ناريّا أمام أمواج البحر العاتية فقال ما فحواه : « هذا البحر خلفكم وجيش العدوّ أمامكم ، وقد امتلأت خزائنهم من السلاح والعتاد والذّخيرة والطعام ، وأنتم لا شيء لكم ، إلّا ما استخلصتموه من أيديهم بعزائمكم ، وليس لكم سلاح سوى سيوفكم ، فها أنتم وهذا العدوّ » .
وقد منحت هذه الكلمات الهائجة والخطابة المتلهبة لطارق ، منحت جنوده عزيمة صارمة وشهامة خاصة للجلاد ، ثم بدأوا الصولة الثقيلة ولم يقعدوا دون الانتصار الحاسم النهائي ! .
رسالة الأخلاق — صفحة 302
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٣٠٢