الحرية الواقعية واضمحلالها . اللهم إلّا أن يكون أفراد ذلك المجتمع قد افتقدوا قوة إدراك الحقائق فيرون المنكر معروفا والتسيّب حرية والقهقرائية كمالا وتقدّمية .
وقد أكّدوا ضمن الأحكام الدينية على أنّ من رأى منكرا في شرف الوقوع فعليه أن يوقف ذلك حسب إمكاناته ، وقد بيّنوا لمكافحة الفساد درجات ومراتب مختلفة من حيث القدرة والتدرّج في ذلك ، وأنّ على الإنسان في أي موقعيّة اجتماعية كان أن يعبّىء قواه لإفشال الشرور والمنكرات : فواجب المقتدر بالنظر إلى ما منحه اللّه من قدرة على تغيير الجرائم أن يؤدّب المنحرفين بما أوتي من قوة ، وأن يجرّهم إلى طريق الحق وصراط النزاهة والطهارة ، أما فاقد القدرة اللازمة لتطهير المجتمع من المنكرات فعليه أن يستعمل لسانه بالهداية والإرشاد ، وأن يبيّن بما أوتي من نفاذ في الكلمة عيوب السيّئات وآثارها الضّارّة في الحياة الفردية والاجتماعية .
ومن البديهي أنّه يجب أن يكون القائل عاملا بالخير والفضائل مهتمّا بما يأمر به وينهى عنه ، حتى يتقبّل الآخرون كلامه بكل كيانهم ، وإلّا فإنّ نصيحته لن تنفذ إلى أعماق القلوب ، وسيبقى كل تبليغ له بالخير جافّا جامدا لا حياة له ولا حركة ولا أثر . نعم إن لم يمكنه مكافحة الفساد حتى بالإرشاد كفى منه أن يبدي انزعاجه من المنكرات وتنفّره منها .
طبيعي أنّه لا يكفي أن يكتفي بالعمل السلبيّ القلبيّ دون أن يرتب أثرا على ذلك ، بل من الضروريّ أن يرتب أثرا إيجابيا على الإنكار بالقلب ، بمعنى أن يقطع حبال الألفة وأواصر المحبّة والوداد مع المجرمين ، لكي يشعر أولئك بأنّهم مطرودون من المجتمع الصالح .
إنّ الإسلام قد أولى مكافحة المنكرات أهمية خاصة ، وبذل عناية فائقة في جهاد الفساد . وقد أرشد البشرية إلى الخير في جميع مراحل الكمال الإنساني .
وقد رسم القرآن الكريم حدود الفلاح بيّنة وحصر على العاملين بالمعروف
رسالة الأخلاق — صفحة 206
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٢٠٦